نشوء البيان

دراسات قرآنية لغوية تاريخية آثارية

Untitled 1

هل كلمة عرفات هي لفظ قديم بلسان إبراهيم؟

بعضهم اعتبر عرفات لفظ جمع[1] وعاملوه معاملة الجمع[2]، وجعلوه جمع عرفة[3]، وقالوا (تاء) عرفات للجمع وليس للتأنيث[4]. وقيل أن كلمة عرفة ليست لفظ عربي[5]. فبعض علماء اللغة اعتبروا الألف والتاء (-ات) في كلمة عرفات (ع ر ف ا ت) هما لجمع المؤنث السالم[6] مثل: معلمات (م ع ل م ا ت)، طالبات (ط ا ل ب ا ت)، مسلمات (م س ل م ا ت)، ...الخ. وإذن ظن بعضهم أن كلمة عرفات هي جمع مؤنث سالم لكلمة عرفة، فاعتبروا عرفات بصورة الجمع، مثل (مسلمات، مؤمنات). وهذا احتمال رآه اللغويون، وقد يكون صحيحاً أو خطأ، والله أعلم.

ولكن هناك أيضاً احتمالاً آخر، وقد يكون صحيحاً أو خطأ، وهو أن كلمة عرفات قد لا تكون بصيغة الجمع. فربما كلمة عرفة[7] ليست مفرد عرفات، بل قد تكون الكلمتان (عرفة وعرفات)، هما نفس الكلمة. فلعل لفظة عرفات كلمة قديمة جداً [عرفات من العربية القديمة] [8] بلسان عربي حجازي بالغ القدم (لسان إبراهيم) الذي يختلف نوعاً ما عن العربية الفصحى، ويبدو أنه يشبه اللسان الكنعاني.

فمثلاً لدينا في العربية الفصحى فعل يضحَك (ي ض حَ ك)، ونرى الحاء متحركة بالفتحة. أما في لسان إبراهيم فلدينا فعل يسحاق (ي س ح ا ق)، الذي منه اسم إسحاق (إ س ح ا ق)، ونرى الحاء ممدودة بالألف. أي أن (حَ) يضحَك بالعربية الفصحى، كانت (حا) يسحاق باللسان القديم.

كذلك لدينا فعل يسمع (ي س مَ ع) بالعربية الفصحى، ونرى الميم متحركة بالفتحة. أما في لسان إبراهيم فلدينا فعل يسماع (ي س م ا ع)، الذي منه اسم إسماعيل (إ س م ا ع)، ونرى الميم ممدودة بالألف. أي أن (مَ) يسمَع بالعربية الفصحى، كانت (ما) يسماع باللسان القديم.

فنلاحظ من المثالين السابقين أن لسان إبراهيم هو لسان حجازي عربي قديم (يشبه الكنعانية)، حيث فيه اشباع للفتحة ومدّ (نطق الفتحة في لسان إبراهيم مثل نطق الألف).

كذلك ربما طريقة نطق الفاء في عرفات (ع ر ف ا ت)، بمدّ الفاء بالألف (حسب لسان إبراهيم). لكن لعل العرب (قبيل الإسلام) أضافوا نطقاً حديثاً لكلمة عرفات (القديمة) حسب لسانهم الأحدث فقالوا (عرفَة)، أي بفتح الفاء (ع ر فَ ة). تماماً كما تغير نطقهم القديم (يسحاق، يسماع) الذي فيه مدّ بالألف، إلى النطق الأحدث (يضحَك، يسمَع) الذي فيه فتحة فقط.

أما الكلمة الأصلية عرفات فهي قديمة بلسان إبراهيم (الذي يشبه الكنعانية) والذي يكون فيه مد وإشباع لفتحة الفاء فيجعلها ألفاً، ولذلك نطق لسان إبراهيم الكلمة بصورة عرفات (ع ر ف ا ت). أي أن (فَ) عرفَة (ع ر فَ ة) بالعربية الفصحى، كانت (فا) عرفات (ع ر ف ا ت) باللسان القديم.

فلعل كلمة (ع ر ف ا ت) هي بالنطق القديم الذي يقابله في العربية الفصحى كلمة (ع ر فَ ة)، حيث فتحة الفاء (فَ) في عرفة كانت (فا) بالألف في عرفات، وحيث الهاء أو التاء المربوطة في عرفة كانت (ت) في عرفات. فالتاء في عرفات قد تكون للتأنيث وليست للجمع. ونجد كتابة ورسم هذه التاء (تاء التأنيث) واضحة في النقوش القديمة قبل الإسلام (نقوش جزيرة العرب والعراق والشام ومصر وغيرها).

واسم العلم (مثل: اسم البلد، اسم الشعب، اسم الشخص، ..)، مهما كان قديماً، فإن نطقه غالباً يظل كما هو (كما نطقه القدماء). فكأن كلمة عرفات هي بالنطق القديم، وكأن كلمة عرفة هي بالنطق العربي الحديث[9]. أي أن كلمتي عرفات وعرفة هما نفس الكلمة، ولكن لفظتا بطريقتين: قديمة وحديثة[10].


[1] المطلع على ألفاظ المقنع : قال الزَّجاج: عرفات اسم لمكان واحد ولفظه لفظ الجمع/ معجم البلدان : عَرَفَاتٌ... وقيل: إن الاسم جمع والمسمّى مفرد/ تفسير الألوسي : وعرفات موضع بمنى وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع

[2] [التحرير والتنوير : وقد جعل عرفات علما على ذلك الوادي بصيغة الجمع بألف وتاء/ سمي الموضع عرفات الذي هو على زنة الجمع بألف وتاء فعاملوه معاملة الجمع بألف وتاء]/ تفسير الطبري : ثم اختلف أهل العربية في عرفات، ... وهل هي اسم لبقعة واحدة أم هي لجماعة بقاع؟ فقال بعض نحويي البصريين: هي اسم كان لجماعة مثل مسلمات ومؤمنات، سميت به بقعة واحدة فصرف لما سميت به البقعة الواحدة

[3] مسند الشافعي - ترتيب السندي : وعرفات جمع عرفة / معجم الفروق اللغوية - العسكري (المتوفى: نحو 395هـ): وقال النيسابوري: عرفات جمع عرفة.وكلاهما علم للموقف، كأن كل قطعة من تلك الارض عرفة، فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات/  تفسير الثعلبي (المتوفى: 427هـ): مِنْ عَرَفاتٍ القراءة بالكسر والتنوين لأنه جمع عرفة/ تفسير الماوردي (المتوفى: 450هـ):  وفي {عَرَفَاتٍ} قولان: أحدهما: أنها (جمع) عرفة/ تفسير البغوي:من عرفات، هي جمع عرفة، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة/ تفسير الرازي):عرفات جمع عرفة، سميت بها بقعة واحدة/

[4] الكليات : عَرَفَات: اسْم فِي لفظ الْجمع فَلَا تجمع معرفَة، وَإِن كَانَت جمع (عَرَفَة) جمع (عَارِف) لِأَن الْأَمَاكِن لَا تَزُول فَصَارَت كالشيء الْوَاحِد مصروفة لِأَن التَّاء بِمَنْزِلَة الْيَاء وَالْوَاو فِي (مُسلمين) و (مُسلمُونَ)، يَعْنِي أَن تاءه الَّتِي مَعَ الْألف عَلامَة جمع الْمُؤَنَّث لَا التَّاء الَّتِي هِيَ عَلامَة التَّأْنِيث

[5] معجم البلدان : وقال الفراء: عرفات لا واحد لها بصحة، وقول الناس اليوم يوم عرفة مولّد ليس بعربيّ محض

[6] التحرير والتنوير : وقد جعل عرفات علما على ذلك الوادي بصيغة الجمع بألف وتاء

[7] الكليات : وَلَيْسَ هُنَاكَ أَمَاكِن مُتعَدِّدَة كل مِنْهَا عَرَفَة جمعت على عَرَفَات

[8] أشار ابن عاشور إلى هذا الاحتمال [التحرير والتنوير : والذي يظهر أن أحد الاسمين أصل والآخر طارئ عليه وأن الأصل (عرفات) من العربية القديمة وأن عرفة تخفيف جرى على الألسنة، ويحتمل أن يكون الأصل (عرفة) وأن عرفات إشباع من لغة بعض القبائل].

[9] الصحاح : وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بمولد، وليس بعربي محض /

[10] الدر المصون في علوم الكتاب المكنون : والمشهور أنَّ عرفات وعَرَفه واحد/ عمدة القاري شرح صحيح البخاري : وقيل عرفة وعرفات كلاهما اسمان للمكان المخصوص/ مراصد الاطلاع على اسماء الامكنة والبقاع : وعرفة وعرفات واحد/ معجم البلدان : وعرفة وعرفات واحد عند أكثر أهل العلم وليس كما قال بعضهم إن عرفة مولّد/ تهذيب الأسماء واللغات : عرفات: وعرفة: اسم لموضع الوقوف.


حامد العولقي