نشوء البيان

دراسات قرآنية لغوية تاريخية آثارية

احتمال في معنى الصلاة الوسطى

حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (238) سورة البقرة

قال كثير من العلماء أن الصلاة الوسطى معناها (الفضلى)[1]، لكنهم جعلوا الوسطى صلاة واحدة فقط بعينها دون سواها كالعصر[2] أو الصبح أو غيرها. ولعل من هذه البداية الجيدة (الصلاة الوسطى بمعنى الفضلى) انبثق رأي جديد.

فقد يكون مراد القرآن بالصلاة الوسطى (الفضلى)، أنه يحثّ المصلي ويدعوه أن يجعل صلاته وسطى. فالقرآن لعله يوجهنا أن نجعل صلواتنا كلها وسطى، أي عندما نصلي أي صلاة مفروضة ينبغي أن نصليها بِ (أداء وكيفية وسطى). فالمصلي هو الذي يجعل صلاته وسطى إذا صلاها كما ينبغي، وإلا فلن تكون وسطى. فالآية (والصَّلاَةِ الْوُسْطَى)، كأنها حض وحث وترغيب وتشجيع وتحفيز على أن تكون صلاتنا وسطى (كل صلاة نصليها)، لا أن الصلاة الوسطى هي صلاة محددة بعينها دون سواها (كصلاة العصر مثلاً). فالصلاة تصبح وسطى بسبب المصلي، لا أنها وسطى بطبيعتها (مع كل مصلٍ). فبعض المصلين (لصلاة العصر مثلاً) تكون صلاتهم وسطى، وبعضهم لا تكون صلاتهم وسطى. فالمصلي يصلي صلاة العصر (أو غيرها)، ثم قد تكون صلاته وسطى (إذا صلاها بطريقة صحيحة تحقق معنى الوسطى)، وقد لا تكون صلاته وسطى (إذا صلاها بطريقة لا تحقق معنى الوسطى). فالصلاة الوسطى تكون وسطى، أو لا تكون، بسبب الذي يصليها (كيف صلاّها)، لا بسبب في ذاتها.

 

كيف نجعل صلاتنا صلاة وسطى؟

هذا هو السؤال الصعب، والله أعلم بالجواب الصحيح. ولكنها محاولة لفهم الآية. وهذا مجرد احتمال.

 

احتمال أن تكون الصلاة الوسطى هي الصلاة المثالية التامة الخاشعة

قد لا تكون الصلاة الوسطى صلاة محددة بعينها (كأن تكون هي صلاة العصر أو الفجر مثلاً)، فهي ليست وسطى لأمر يعود لترتيب وتسلسل وقتها[3]، وإنما هي وسطى كوصف لكيفية أداء أي صلاة مفروضة. فالصلاة الوسطى هي كل صلاة تامة أو خاشعة أو مثلى فضلى (أفضل الصلاة طول القنوت)[4].

قول الله (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ)، أي: على الصلوات الخمس. وقوله: (والصَّلاَةِ الْوُسْطَى)، أي: اجعلوا كل[5] صلاة من الصلوات الخمس مثالية كاملة خاشعة مطمئنة. وقوله: (وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ)، أي: اخشعوا واسكنوا فلا تنصرفوا لشيء أثناء الصلاة.

فالله يطلب منا ثلاثة أشياء: الأول: المحافظة على الصلاة. والثاني: أن تكون الصلاة وسطى (تامة مثالية خاشعة فضلى وافية، وفي أكمل وجه وأتقنه وأحسنه وأخيره وأصحّه). والثالث: القنوت (خشوع وخضوع وتقديس وإجلال وسكينة وسكون).

وهذا المعنى قال به ندرة من العلماء، كمحمد عبده[6]، ومحمد أبو زهرة[7]، والقطان[8]، وسيد طنطاوي[9]، والنيسابوري له رأي قريب[10]، وغيرهم[11].


[1] تفسير الماوردي :  وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى/ تفسير الزمخشري : الصَّلاةِ الْوُسْطى أى الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط/ زاد المسير في علم التفسير : وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال: ... والثالث: أفضلها، ووسط الشيء: خيره وأعدله. ومنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ، فان قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى ../ تفسير الخازن : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى تأنيث الأوسط ووسط كل شيء خيره وأعدله وقيل الوسطى يعني الفضلى من قولهم للأفضل أوسط/ شرح نهج البلاغة - ابن ابي الحديد : و يفسرون الوسطى بمعنى الفضلى لأن الوسط في اللغة هو خيار كل شي ء و منه قوله تعالى جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً / تفسير أبي السعود : {والصلاة الوسطى} أي المتوسطة بينها أو الفُضلى منها/ شرح أبي داود للعيني : والوُسطى - بضم الواو- تأنيث الأوسط بمعنى الفضلى، ...فتعين أن تكون الوسطى بمعنى الفضلى./ مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح : فإنها الوسطى أي الفضلى/ مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر : لاحتمال أن يكون المراد بالوسطى الفضلى فعلى تقدير أن يكون المراد بالوسطى في هذه الآية معنى الفضلى/ حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني :  أَوْ لِأَنَّ الْوُسْطَى مَعْنَاهَا الْفُضْلَى/ الروض الأنف : وظن كثير من الناس أن معنى الأوسط الأفضل على الإطلاق وقالوا: معنى الصلاة الوسطى: الفضلى/ إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام - ابن دقيق العيد: وربما سلك المخالف لهذا المذهب مسلك النظر في كونها وسطى من حيث العدد وهذا عليه أمران أحدهما: أن الوسطى لا يتعين أن تكون من حيث العدد فيجوز أن تكون من حيث الفضل كما يشير إليه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] أي عدولا/ الفواكه الدواني -  النفراوي: وقيل معنى الوسطى الفضلى/

[2] تفسير ابن كثير :وقيل: إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي، رحمهما الله: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم، وقال القاضي الماوردي: وهو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره: هو قول جمهور الناس

[3] أحكام القرآن لابن العربي : [مسألة تحقيق الصلاة الوسطى] : المسألة الرابعة: في تحقيقها: يبعد في الشريعة أن تسمى وسطى بعدد أو وقت وما العدد والزمان من الحظ في الوسط والتخصيص عليه.

[4] صحيح مسلم : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت»/ تفسير التستري (: وسئل النبي صلّى الله عليه وسلّم أي الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت أي طول القيام»/ الهداية الى بلوغ النهاية : وقال النبي عليه السلام " أفضل الصلاة طول القنوت " أي: القيام.

[5] المنتقى شرح الموطأ: وذلك أن الوسطى يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن تسمى وسطى بمعنى فاضلة الصلوات يقال هذا أوسط القوم بمعنى فاضلهم قال الله تعالى {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون} [القلم: 28]. وقال تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] يريد أمة فاضلة.... وعلى الوجوه الثلاثة فإن جميع الصلوات يصح أن توصف بأنها وسطى بمعنى أنها فاضلة.

[6] تفسير المنار : قال الأستاذ الإمام (ت: 1323هـ): ولولا أنهم اتفقوا على أنها إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمي من قوله: (والصلاة الوسطى) أن المراد بالصلاة الفعل، وبالوسطى الفضلى; أي: حافظوا على أفضل أنواع الصلاة; وهي الصلاة التي يحضر فيها القلب وتتوجه بها النفس إلى الله تعالى وتخشع لذكره وتدبر كلامه، لا صلاة المرائين ولا الغافلين. ويقوي هذا قوله بعدها: (وقوموا لله قانتين) فهو بيان لمعنى الفضل في الفضلى وتأكيد له، إذ قالوا: إن في القنوت معنى المداومة على الضراعة والخشوع

[7] زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة (ت: 1394هـ):  والاتجاه الثاني: وليس عليه الجمهور من التابعين - أن المراد بالصلاة الوسطى الصلاة كلها، والوسطى ليس معناها المتوسطة، بل الوسطى معناها الفضلى؛ وذلك لأن الوسطى مؤنث أوسط، والأوسط في أكثر استعمال القرآن الأمثل والأفضل؛ ولذا قال سبحانه: (قَالَ أَوْسَطهُمْ أَلَمْ أَقُل لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ). والمعنى على ذلك الاتجاه: حافظوا على الصلوات كلها بالمداومة عليها، وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها من النوع الأمثل الفاضل بإقامة الأركان خاشعين متبتلين خاضعين منصرفين في أدائها عن كل شئون الدنيا متجهين إلى رب العالمين دون سواه. وهنا يرد سؤال: لماذا جمع الصلوات في الأول، وأفرد الصلاة في الثاني؟ والجواب عن ذلك أن المراد من الصلوات في الأول الفرائض الخمس بأعيانها، والمعنى في الصلاة في الثاني هو الفعل، فكان المؤدى: داوموا على الصلوات وأن تكون صلاتكم كلها من النوع الأمثل الفاضل... ونرى من هذا أن قوله تعالى: (وَقومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) يزكي ما اختاره ابن عبد البر ويقويه، وهو أن معنى الصلاة الوسطى، الصلاة الفضلى والمثلى، وهي التي تؤدى على الوجه الأكمل/ خاتم النبيين- محمد أبو زهرة : وقد قالوا إن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، ولا يمنع أن يراد الصلاة المثلى.

[8] تيسير التفسير للقطان (ت: 1404هـ): وهناك من قال ان الصلاة الوسطى هي الصلاة الفضلى المتقنة التي أقيمت وأديت على أحسن وجه.

[9] التفسير الوسيط - محمد سيد طنطاوي (ت: 1431 هـ): ومن العلماء من اتجه في بيان المراد من الصلاة الوسطى اتجاهاً آخر فهو يرى أن المراد بالصلاة الوسطى الصلوات كلها، وأن الوسطى ليست بمعنى المتوسطة بين صلاتين، وإنما هي بمعنى الفضل لأن وسط الشيء خياره وأعدله وأفضله فالمقصود بها فعلها أو أداؤها بطريقة سليمة كاملة. والمعنى على هذا الرأي : حافظوا يا معشر المسلمين على الصلوات كلها، وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها بطريقة وسطى أي فاضلة بأن تؤدوها في أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع.

[10] غرائب القرآن ورغائب الفرقان - نظام الدين القمي النيسابوري (ت: 850 هـ): وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال : الأول : أنه تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات .وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام.

[11] المنتخب في تفسير القرآن الكريم- لجنة القرآن والسنة:  احرصوا على إقامة الصلوات كلها وداوموا عليها، واحرصوا على أن تكون صلاتكم هي الصلاة الفضلى بإقامة أركانها والإخلاص الكامل لله فيها


حامد العولقي