وصلات

وصلات

Untitled 1

سامراً تهجرون

 

  

قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) المؤمنون

 

تفسير الجمهور

(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ): مستكبرين ببيت الله (الكعبة)، أي كانوا يتفاخرون بالبيت الحرام على الناس[1].

(سَامِرًا): من السمر حول الكعبة (الحديث بالليل)[2].

(تَهْجُرُونَ): من الهجر (الترك)[3] أو الهجر (الحديث الفاحش أو الهذيان)[4].

(يرجى مراجعة التفاسير لمزيد من التفصيل).

 

 احتمال آخر

ولكن قد يكون معنى الآية كالتالي:

(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي بالقرآن، بمعنى أن كفار قريش يتكبرون على كلام الله فلا يسمعونه ولا يؤمنون به.

(سَامِرًا تَهْجُرُونَ) أي أنهم مستمرون دائمون على هجر القرآن (تركه).

 

 

مستكبرين به، أي بالقرآن

الشائع في الكلام أن يستخدم حرف (على) فيقال مثلاً (استكبر زيد على عمرو)، وأما استعمال حرف (الباء) مثل (استكبر زيد بماله) أو (استكبر زيد بمقامه ومركزه)، فعادة يأتي بمعنى تفاخر وتعظّم بذلك. ولذلك لم ير جمهور المفسرين أن معنى (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) تعني مستكبرين بالقرآن، لأن الذي يستكبر بالشيء فهو عادة يتعظّم به ويتفاخر (وكيف يتفاخر كفار قريش بالقرآن وهم يكفرون به). ولذلك ظن المفسرون أن كفارَ قريش كانوا مستكبرين بشيء آخر كالبيت الحرام (أي متفاخرين ومتعظمين به)، رغم أن الآيات لم تشر للبيت الحرام من قريب أو بعيد.

ومع ذلك أدرك بعض المفسرين أن المعنى هو (مستكبرين بالقرآن) بمعنى عنه أو عليه:

(مستكبرين بالكتاب لا يؤمنون به)[5]، (مستكبرين به أي بالقرآن)[6]، (الضمير عائد على القرآن)[7]، (مُسْتَكْبرينَ بِهِ ... أي عنه يعني عن القرآن)[8]، (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ... ويجوز أن يرجع الضمير الى آياتِي)[9].

 

سَامِرًا

لعل فهم الجمهور لمعنى (سَامِرًا) أنه من السمر والتحدث ليلاً، قد جعلهم يفترضون أن كفار قريش يسمرون ليلاً عند بيت الله. ولعل هذا سبب آخر لظن المفسرين أن الآيات تضمر الحديث عن بيت الله (رغم أن الآيات لا تذكره ولا تشير اليه)[10].

ولكن لعله يوجد احتمال آخر، وهو أن كلمة (سَامِرًا) التي بالآيات قد لا تعني السمر المعروف (الجلوس ليلاً للتحدث). فربما أرادت الآية معنى آخر له علاقة بالاستمرار والبقاء وطول المدة والثبات والدوام على نفس الحال. أي أن كفار قريش كانوا دائمين مستمرين في هجر وترك القرآن لا يسمعونه ولا يؤمنون به. وجذر سمر في اللغة قد يحتمل هذا المعنى حيث يكون أيضاً بمعنى الدهر (الوقت والزمان والأبد والأمد). فلعل المعنى أن كفار قريش كانوا (دهراً وأبداً ودوماً) يهجرون القرآن. فلعل معنى [(سَامِرًا) تَهْجُرُونَ] هو أنكم (زماناً مليّاً طويلاً مديداً مستمراً) تهجرون القرآن (تعرضون عنه).

وهذه شواهد لغوية قد تؤيد هذا المعنى حيث جذر سمر يستعمل بمعنى (طول الزمان):

تاج العروس: والسَّمَرُ: الدَّهْرُ ...  كالسَّمِيرِ ... فُلانٌ عندَه السَّمَر، أَي الدَّهْر ...  ...   ويقال: لا أَفْعَلُه، أَو: لا آتِيكَ ما سَمَرَ السَّمِيرُ، وما سَمَرَ ابنُ سَمِيرٍ، وما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ، قيل: هو الدَّهْرُ، وابناه: اللّيْلُ والنّهارُ، ... يُقَال: ما أَسْمَرَ السَّمِيرُ وابنُ سَمِيرٍ وابْنا سَمِير، أَي ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ، والمعنَى، أَي الدَّهْر كلّه

تهذيب اللغة: وَلَا آتِيك السمَرَ والقَمَر، أَي: لَا آتِيك دَوامَهما. وَالْمعْنَى لَا آتِيك أبدا/ وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: السميرُ: الدهرُ.

ديوان الأدب - الفارابي: ويُقالُ: لا أَفْعَلُ ذلك ما سَمَرَ ابْنا سَمير، أَي: أبداً. وقالوا: سَمير: الدَّهْرُ

اللسان: والسَّمَرُ الدَّهْرُ وفلانٌ عند فلان السَّمَرَ أَي الدَّهْرَ والسَّمِيرُ الدَّهْرُ أَيضاً ... ولا أَفعله سَمِيرَ الليالي أَي آخرها ... ولا آتيك ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ أَي الدهرَ كُلَّه وما سَمَرَ ابنُ سَمِيرٍ وما سَمَرَ السَّمِيرُ ...وقيل هو الدهر

غريب الحديث لابن قتيبة: وَلَا أَفعلهُ مَا سمر ابْنا سمير وَلَا آتِيك سمير اللَّيَالِي. هَذَا كُله معنى قَوْلك: لَا أفعل ذَلِك أبدا.

معجم ديوان الأدب: ويُقالُ: لا أَفْعَلُ ذلك ما سَمَرَ ابْنا سَمير، أَي: أبداً.

المحكم والمحيط الأعظم: وفلانٌ عند فلانٍ السَّمَرَ أي الدَّهْرَ

النهاية في غريب الحديث والأثر: «لا أطور به ما سمر سمير» أي أبدا. والسمير: الدهر. ويقال فيه: لا أفعله ما سمر ابنا سمير، وابناه: الليل والنهار: أي لا أفعله ما بقي الدهر.

شرح نهج البلاغة - ابن ابي الحديد : و قوله ما سمر سمير يعني الدهر أي ما أقام الدهر و ما بقي ...  و لا أفعله سمير الليالي أي أبدا

زاد المسير في علم التفسير :سمير الليالي: أبَدَ الليالي.

 

الخلاصة

قد يكون معنى الآية: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ) هو:

 أنكم يا كفار قريش مستكبرين بالقرآن (تعرضون عنه فلا تؤمنون به ولا تسمعونه بسبب كِبْركم)، وإنكم (بشكل دائم مستمر على مدى العمر) تهجرونه (تتركونه وتعرضون عنه).  


[1] تفسير الطبري : عن ابن عباس، في قوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) يقول: مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد.

[2] معاني القرآن وإعرابه للزجاج : وقوله: (سَامِرًا) . بمعنى " سُمَّرا " ويجوز سُمَّارا، والسامِرُ الجَمَاعَةِ الذين يَتَحَدَّثونَ لَيْلاً.

[3] تفسير الطبري : وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبر عن المشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولم يسمعوا له.

[4] تفسير الطبري : تهجرون، قال: بالقول السييء في القرآن غير الحقّ.

[5] إعراب القرآن للزجاج : وقيل مستكبرين بالكتاب لا يؤمنون به/ الهداية الى بلوغ النهاية : {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ}...وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ/ تفسير أبي السعود : {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} ... بكتابي الذي عبر عنه بآياتي على تضمينِ الاستكبارِ معنى التَّكذيبِ/ الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية : حال كونكم مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي بالكتاب وبالأوامر والاحكام المندرجة فيه بحيث لا تذكرونه

[6] حجة القراءات - ابن زنجلة :  فقال جل وعز مستكبرين به أي بالقرآن أي يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبارا/ الدر المنثور – السيوطي: مستكبرين به قال : بالقرآن/ تفسير الخازن : وقيل مستكبرين به أي بالقرآن فلم يؤمنوا به/ تفسير البغوي :وقيل: "مستكبرين به" أي: بالقرآن فلم يؤمنوا به./ تفسير السمعاني :وَالْقَوْل الثَّانِي: {مستكبرين بِهِ} أَي: بِالْقُرْآنِ، على معنى أَنهم استكبروا فَلم يُؤمنُوا بِهِ/ البرهان في علوم القرآن : وقوله تعالى {مستكبرين به سامرا تهجرون} يعني القرآن أو المسجد الحرام/ المكتفى في الوقف والابتدا لأبي عمرو الداني : وقيل: ((مستكبرين به)) القرآن. والمعنى: أنه يحضرهم عند قراءته استكباراً./ الحجة في القراءات السبع : مستكبرين بِهِ قيل بِالْقُرْآنِ وَقيل بِالْبَيْتِ الْعَتِيق/ تفسير الماوردي : ويحتمل وجهاً آخر: مستكبرين بمحمد أن يطيعوه , وبالقرآن أن يقبلوه./ معاني القرآن للنحاس : مستكبرين به ... وقيل مستكبرين بالقرآن أي يحضرهم عند قراءته استكبار

[7] تفسير القرطبي وتفسير الثعالبي : وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الايات، والمعنى: يحدث لكم سماع آياتى كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد / فتح القدير للشوكاني : مستكبرين به ... وقيل: الضمير عائد إلى القرآن. والمعنى: أن سماعه يحدث لهم كبرا وطغيانا فلا يؤمنون به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد./ البحر المديد في تفسير القرآن المجيد : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، الظاهر أن الضمير للقرآن لتقدم ذكر آياته، والباء بمعنى «عن» أي: متكبرين عن سماعه والإذعان له، أو سببية، أي: فكنتم بسبب سماعه مستكبرين عن قبوله، وعمن جاء به، أو ضَمَّن مستكبرين معنى مُكذبين/ تفسير ابن كثير : وقوله: مستكبرين به ... فعلى هذا الضمير في به فيه ثلاثة أقوال ... والثاني أنه ضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة./ تفسير ابن جزي : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ قيل: ... وقيل: إنه عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات، والمعنى على هذا أن القرآن يحدث لهم عتوّا وتكبرا/ التبيان في إعراب القرآن : وقوله تعالى: «مستكبرين» : حال أخرى. والهاء في «به» للقرآن العظيم/ تفسير القاسمي :  مستكبرين به ... وجوز تضمين (مستكبرين) معنى (مكذبين) والضمير للتنزيل الكريم. أي مكذبين تكذيب استكبار.

[8] قوت القلوب - أبو طالب المكي: وكذلك قوله: (مُسْتَكْبرينَ بِهِ) المؤمنون: 67 أي عنه يعني عن القرآن، فعلى هذا مجاز قوله تعالى: (فَاسْألْ بِهِ خَبيراً) الفرقان: 59 أي سل عنه، فحروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض، ومثله قوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بهِ) المزمل: 18 أي فيه يعني في اليوم/ الفوز الكبير في أصول التفسير : {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي: عنه.

[9] الموسوعة القرآنية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ... ويجوز أن يرجع الضمير الى آياتِي وذكر لأنها فى معنى كتابى. ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكبارا./ التفسير القرآني للقرآن: «مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ.. سامِراً تَهْجُرُونَ» ..والضمير فى «به» يعود إلى ما يتلى عليهم من آيات الله، وما يسمعون من كلماته.. وقد عدّى الفعل «استكبر» بحرف الجرّ الباء، لتضمنه معنى الاستهزاء..أي أنكم لاستكباركم تلقون ما تسمعون من آيات الله، باستهزاء وسخرية..فهى سخرية المستكبر، واستهزاء المتعالي/تفسير النسفي : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) {مُسْتَكْبِرِينَ} ...  أو بآياتى لأنها في معنى كتابي ومعنى استكبارهم بالقرآن تكذيبهم به استكباراً ضمن مستكبرين معنى مكذبين/ تفسير البيضاوي : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ...  لآياتي فإنها بمعنى كتابي والباء متعلقة ب مُسْتَكْبِرِينَ لأنه بمعنى مكذبين

[10] تفسير الشعراوي : ومعنى {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ. .} [المؤمنون: 67] الهاء في (به) ضمير مُبْهم، يُعرَّف بمرجعه، كما تقول: جاءني رجل فأكرمته، فالذي أزال إبهام الهاء مرجعه إلى رجل. وفي الآية لم يتقدم اسم يعود عليه الضمير، لكن الكلام هنا عن الرسول الذي أُرسل إليهم، والقرآن الذي أُنزل عليهم معجزة ومنهاجاً، إذن: لا يعود الضمير إلا إلى واحد منهما.

 

حامد العولقي