نشوء البيان

دراسات قرآنية لغوية تاريخية آثارية

القرآن علم للساعة

 

{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (61) سورة الزخرف

 

اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية. ولن أستعرض أكثر التفاسير لأنها موجودة في كتبها الشهيرة المعروفة، وسأكتفي بالإشارة لها سريعاً.

فأكثر المفسرين قالوا أن الآية كأنها تريد معنى (وإن عيسى لعلم للساعة). وقد أقحمت كلمة (عيسى) بالنسبة لهذه الآية في كثير من ترجمات[1] معاني القرآن. وهذا التفسير لابد أنه تأثر بعاملين، الأول هو الأحاديث الكثيرة في الصحاح وغيرها التي تنص على عودة المسيح[2]، والثاني هو ذكر الآيات القرآنية (بشكل شبه مباشر) للمسيح عيسى بن مريم (قبل وبعد) آية (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ).

وهناك أيضاً تفاسير أخرى لهذه الآية أقل شهرة، مثل أن عيسى علم للساعة من حيث معجزاته (لا من حيث رجوعه)، أو أن محمداً عليه الصلاة والسلام علم للساعة، بل أن بعضهم قال أن المهدي علم للساعة.

ولكن التفسير الحقّ المتجرد الذي ينسجم مع النص القرآني تماماً، والذي سأفصّل وأسهب فيه، هو أن الآية تريد معنى (وإن القرآن لعلم للساعة). وقد ذكرت بعض التفاسير القديمة ذلك (وكلها منسوبة إلى قتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وعاصم)، وسنستعرضها حسب ترتيبها الزمني:

[؟- 210هـ] تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني: نا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة (1) ) .. وناس يقولون: « القرآن علم للساعة ».

[ 224 - 310 ه] جامع البيان في تأويل القرآن، لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري: ‏وقال آخرون: الهاء التي في قوله: {وإنه} من ذكر القرآن، وقالوا: معنى الكلام: وإن هذا القرآن لعلم للساعة يعلمكم بقيامها، ويخبركم عنها وعن أهوالها.  ذكر من قال ذلك:‏ - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: "وإنه لعلم للساعة" هذا القرآن. / حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان ناس يقولون: القرآن علم للساعة.

[305 - 370هـ] أحكام القرآن للجصاص: وقَوْله تَعَالَى - : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى - : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } قَالَ : .. وَنَاسٌ يَقُولُونَ : " الْقُرْآنُ عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " .

[364 -450هـ ] النكت والعيون للماوردي: قوله عز وجل: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها : أن القرآن علم الساعة لما فيه من البعث والجزاء، قاله الحسن وسعيد بن جبير.

[436 - 510هـ، 516 هـ ] تفسير البغوي: وقال الحسن وجماعة: "وإنه" يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها، ويخبركم بأحوالها وأهوالها.

[467 - 538هـ ] الكشاف للزمخشري: وعن الحسن: أن الضمير للقرآن، وأن القرآن به تعلم الساعة، لأن فيه الإعلان بها ..   أو هذا القرآن إن جعل الضمير في {وَإِنَّهُ} للقرآن.

[481-541هـ] المحرر الوجيز لابن عطية: والضمير في قوله: {وإنه لعلم} ..  وقال الحسن أيضاً وقتادة: إلى القرآن ..ومن قال : الإشارة إلى القرآن، حسن قوله في قراءة من قرأ : «لعِلْم» بكسر العين وسكون اللام، أي يعلمكم بها وبأهوالها وصفاتها، وفي قراءة من قرأ : «لذكر» .

[508هـ - 597 هـ] زاد المسير لابن الجوزي: قوله تعالى: {وإِنه لَعِلْمٌ للسّاعة} .. والقول الثاني: أنها تَرْجِع إلى القرآن، قاله الحسن، وسعيد بن جبير.

[577 - 660هـ] تفسير ابن عبد السلام: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} القرآن لما فيه من البعث والجزاء

[600 - 671هـ] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: قوله تعالى: "وإنه لعلم للساعة" قال الحسن وقتادة وسعيد بن جببر: يريد القرآن؛ لأنه يدل على قرب مجيء الساعة، أو به تعلم الساعة وأهوالها وأحوالها.

[ ؟ - 691هـ] تفسير البيضاوي (وهو تلخيص تفسيري الزمخشري والرازي): وقيل الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بالساعة والدلالة عليها.

[654 - 745هـ] تفسير البحر المحيط، لأبي حيّان الأندلسي: وقال الحسن، وقتادة أيضاً، وابن جبير: يعود على القرآن على معنى أن يدل إنزاله على قرب الساعة، أو أنه به تعلم الساعة وأهوالها.

[700 -774 هـ] تفسير ابن كثير[3] : وقوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ}: .. وأبعد منه ما حكاه قتادة، عن الحسن البصري وسعيد بن جبير: أي الضمير في {وإنه}، عائد على القرآن.

[786 - 876هـ] تفسير الثعالبي: والضمير في قوله: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ } ..  وقال قتادة وغيره: إلى القرآن ... ومَنْ قال: الإشارة إلى القرآن حَسُنَ قوله مع قراءة الجمهور، أي: يعلمكم بها وبأهوالها.

[849 - 911 هـ] الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه {وإنه لعلم للساعة} .. وناس يقولون: القرآن علم للساعة. / وأخرج عبد بن حميد، عن شيبان رضي الله عنه قال: كان الحسن يقول {وإنه لعلم للساعة} قال: هذا القرآن./ وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {وإنه لعلم للساعة} قال: هذا القرآن بخفض العين.

[1173هـ ـ 1250هـ] فتح القدير للشوكاني: وقال الحسن وسعيد بن جبير: المراد القرآن، لأنه يدلّ على قرب مجيء الساعة، وبه يعلم وقتها وأهوالها وأحوالها.

[1217-1270هـ] تفسير الألُّوسي: وعن الحسن. وقتادة. وابن جبير أن ضمير {أَنَّهُ} للقرآن لما أن فيه الإعلام بالساعة فجعله عين العلم مبالغة أيضاً، وضعف بأنه لم يجر للقرآن ذكر هنا مع عدم مناسبة ذلك للسياق.

[1296هـ - 1393 ه] التحرير والتنوير لابن عاشور (وأورده باقتضاب): (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) .. الأظهر أن هذا عطف على جملة {وإنه لذكرٌ لك ولقومك} [الزخرف: 44] ويكون ما بينهما مستطردات واعتراضاً اقتضته المناسبة. لمّا أشبع مقام إبطال إلهية غير الله بدلائل الوحدانية ثُني العِنان إلى إثبات أن القرآن حق، عوداً على بدْءٍ . .. وضمير المذكر الغائب في قوله: {وإنه لعلم للساعة} مراد به القرآن وبذلك فسَّرَهُ الحسن وقتادة وسعيد بن جبير فيكون هذا ثناء ثامناً على القرآن، فالثناء على القرآن استمرّ متصلاً من أول السورة آخذاً بعضه بحُجز بعض متخلَّلاً بالمعترضات والمستطردات ومتخلصاً إلى هذا الثناء الأخير بأن القرآن أعلم الناس بوقوع الساعة. ويفسره ما تقدم من قوله: {بالذي أُوحي إليك} [الزخرف: 43] ويبينه قوله بعده {هذا صراط مستقيم}، .. ومعنى تحقيق أن القرآن عِلْم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع فلم يبق بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم. .. وإسناد {عِلمٌ للساعة} إلى ضمير القرآن إسناد مجازيّ لأن القرآن سبب العلم بوقوع الساعة إذ فيه الدلائل المتنوعة على إمكان البعث ووقوعه. ويجوز أن يكون إطلاق العلم بمعنى المُعْلِم، من استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل مبالغة في كونه محصلاً للعلم بالساعة إذ لم يقاربه في ذلك كتاب من كتب الأنبياء. وقد ناسب هذا المجازَ أو المبالغة التفريع في قوله: {فلا تمترن بها} لأن القرآن لم يُبق لأحدٍ مِرية في أن البعث واقع.

  

والآن لنرى انسجام هذا الفهم [أن القرآن هو علم للساعة]، مع آيات سورة الزخرف:

حيث بدأت السورة بذكر القرآن [{حم} (1) {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} (2) {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) سورة الزخرف] ..

ثم تتحدث الآيات عن كثرة إرسال الله للأنبياء للأمم الأولى فاستهزأوا بهم فأهلكهم الله وعن إقرار قريش أن الله هو الخالق وأنعم الله عليهم ثم كفرهم ونسبتهم البنات لله ثم كرههم نسبتهن لهم وجعلهم الملائكة إناثا وعبادتهم لهم  ..

تعود الآيات للقرآن [{أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} (21) سورة الزخرف] ..

ثم تتحدث الآيات عن تقليدهم للآباء كما فعلت القرى الأولى وكفرها وانتقام الله منها وعن إبراهيم وأبيه وقومه وعن كفر قريش ..

تعود الآيات للقرآن في قول قريش [{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (31) سورة الزخرف]

ثم تتحدث الآيات عن أن الله هو الذي يقسم بين الناس وليس غيره، وعن أن الله لولا أن يكفر الناس لجعل للكافر نصيباً عظيماً جداً من متاع الدنيا وزخرفها، وعن جزاء وعاقبة من يعشو عن ذكر الله وأنه لا رجاء من الصم والعمي ..

تعود الآيات للقرآن [{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (43) {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (44) سورة الزخرف]

 ثم تتحدث الآيات عن الرسل وعن موسى وفرعون، ثم عن جدال قريش بشأن عيسى وبيان الله لحقيقته وأن الله لو شاء لجعل من البشر ملائكة  

ثم تعود الآيات للقرآن [{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (61) سورة الزخرف]

 ثم عن التحذير من صد الشيطان ثم تتحدث الآيات عن عيسى مع قومه واختلاف الأحزاب ثم عن الساعة والقيامة والجنّة وأهلها ونعيمهم وأمنهم والنار وأهلها وعذابهم وجزعهم

ثم شبه إشارة للقرآن [{لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (78) سورة الزخرف].

ثم عن شهادة الله ومراقبته للناس وأن الله ليس له ولد وأنه إله كل شيء وملك كل شيء وعنده علم الساعة والمعاد إليه ولن ينفع الناس الشفعاء وأن قريش يقرون أن الله خالقهم وقول الرسول أن قومه لا يؤمنون فيأمره الله بالصفح وقول سلام فسيعلمون.

 

والآن لنتمعن في الآية (61) المتنازع حول تفسيرها، وكيف تشبه في أسلوبها الآيتين قبلها (4، 44) شبهاً قوياً، بل تطابقت معهما فيه:

{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (61) سورة الزخرف

(أ) صيغة وأسلوب: (وإنّه):

ولنتمعن في جزء منها، وهو: (وَإِنَّهُ)

ولنلاحظ نفس الصيغة والأسلوب في آيتين قبلها تقصدان القرآن (ولم ينازع في ذلك أحد):

{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) سورة الزخرف، حيث (وإنه) تقصد (وإن القرآن)

{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} (44) سورة الزخرف، حيث (وإنه) تقصد (وإن القرآن)

فالصيغ الثلاث متشابهة: {وَإِنَّهُ} (4)، {وَإِنَّهُ} (44)، {وَإِنَّهُ} (61)

وهذا يؤيد معنى (وإنه) في الآية (61): [وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ]، وهو القرآن

 

(ب) صيغة وأسلوب: (وإنّه لَ):

بل لنقارن نفس الأسلوب (بمدى أكبر) وهو صيغة (وإنه لَ)، أي [(وإنه) + لام مفتوحة]:

أولاً في الآيتين:

{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} (44) سورة الزخرف، حيث (وإنه لذكر): وإنه + لَ + ذكر

{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (61) سورة الزخرف، حيث (وإنه لعلم): وإنه + لَ + علم

فالصيغتان متشابهتان: {وَإِنَّهُ لَ} (44)، {وَإِنَّهُ لَ} (61)

وثانياً نضيف الآية الثالثة:

حيث نجد أن آية {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) سورة الزخرف، حيث (وإنه .. لعلي): وإنه + لَ + علي

تتشابه معهما (وَإِنَّهُ .. لَعَلِيٌّ)، ولكن فصلت العبارة (فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا)

 

(ج) صيغة وأسلوب: (وإنّه لَ ..ل):

بل لنقارن نفس الأسلوب (وإنه لَ .. لِ) في الآيات الثلاث، أي [(وإنه لَ) .. لام الجر]:

َإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} (44) سورة الزخرف، حيث حرف الجر اللام في (لك ولقومك)

{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (61) سورة الزخرف، حيث حرف الجر اللام في (للساعة)

فالصيغتان في آيتي (44، 61) متشابهتان: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } (44)، {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (61)

 

فكثير من الناس (وربما أكثرهم) لايؤمنون بالساعة[4]، ولا يؤمنون بيوم الحساب[5]، ولا يؤمنون بيوم الفتح[6]، ولا يؤمنون بيوم الدين[7] (يوم القضاء والحساب)، ولا يؤمنون بالآخرة[8]، ولا يؤمنون بلقاء[9] الله، ولا يؤمنون بالبعث[10]، ولا يؤمنون بالقارعة[11]، ولا يؤمنون بيوم الفصل[12]، ولا يؤمنون بيوم الحسرة[13]، ولا يؤمنون بيوم الوعد[14]، فهم عموماً لا يؤمنون بذلك اليوم[15] ولا بعذابه[16].

فهذا هو معنى أن القرآن لعلم للساعة. أي أنه يُعلِم الإنسان بوقوعها ومجيئها وقدومها وأهوالها. فعندما تحدث الساعة ينبغي أن يكون المرء قد استعدّ لها بالإيمان والعمل الصالح، وإن كان كفر بها أو غفل عنها فلن تكون له حجة في ذلك اليوم ولا عذر لأن القرآن قد أخبره وأعلمه وعرّفه.

فالقرآن علم ما كان (علم للماضي)، فقد أعلمنا القرآن عن كثير من الأمور التي مضت والتي كنا نجهلها تماماً:

{تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا} (49) سورة هود

{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} (7) سورة الأعراف

والقرآن لا يقتصر على تعليمنا بالماضي، بل كذلك القرآن علم لما سنرى في المستقبل (علم للمستقبل) كالقيامة والبعث والحساب والجنة والنار وأمور كثيرة فصّلها القرآن تفصيلاً كأننا نعيش يوم الحساب لحظة بلحظة.

 

ولكننا لا نعلم كل شيء عن الساعة، ولا نحيط بعلم الساعة، لذلك يقول الله:

{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} (34) سورة لقمان

{إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} (47) سورة فصلت

{وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} (85) سورة الزخرف

 

فالإنسان يعلم، ولكن علمه قليل جداً:

{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (39) سورة يونس

{أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} (35) سورة النجم

{وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85) سورة الإسراء

{ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} (30) سورة النجم

 

 

وهذا هو التفسير الصحيح للآية [وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ (61) الزخرف]، أي أن القرآن لعلم للساعة.

كحال الآيتين قبلها:

{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) سورة الزخرف

{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (44) سورة الزخرف

 

وتشهد لهذا الأسلوب والصيغة والمعنى آيات أخرى كثيرة بالقرآن مثل:

{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (192) سورة الشعراء

{وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} (196) سورة الشعراء

{وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (77) سورة النمل

{وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} (48) سورة الحاقة

{وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} (50) سورة الحاقة

{وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} (51) سورة الحاقة

{وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41)} فصلت

 

 

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (77) سورة الواقعة

{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (40) سورة الحاقة

ِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (19) سورة التكوير

{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} (13) سورة الطارق

 

فالقرآن جاء ليعلمنا بالساعة ويحذرنا منها وينذرنا ويعطينا كل ما نحتاج معرفته عنها:

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ} (7) سورة الشورى

{يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} (15) سورة غافر

{وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ} (51) سورة الأنعام

{وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} (71) سورة الزمر

{إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} (40) سورة النبأ

 

وأكثر كلام القرآن هو عن الآخرة. ولذلك فالآية الكريمة [وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ]، تقصد أن القرآن هو علم للساعة.


[1] حيث يضعون اسم عيسى بين قوسين في ترجمة معنى هذه الآية إلى اللغات الأعجمية. وهذه الطريقة عموماً في ترجمة معاني القرآن غير أمينة، لأنها تخلط كلمات التفسير مع كلمات ترجمة معاني النص القرآني، فيحسبها الجاهل جزءاً من الترجمة. والأدق وضع كلمات التفسير في الهامش خارج الترجمة، فيُعلم أن ذلك تفسيراً وفهماً وليس ترجمة لمعنى النص القرآني الأصلي.

[2] تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني: نا عبد الرزاق عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، قال : قال ابن عباس : إن كان ما يقول أبو هريرة حقا فهو عيسى يقول الله : (وإنه لعلم للساعة)

[3] وهو يستبعد هذا التفسير للآية.

[4] {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } (36) سورة الكهف/ {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ } (11) سورة الفرقان/ {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ } (3) سورة سبأ/ {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} (59) سورة غافر/ {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا } (18) سورة الشورى {أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} (18) سورة الشورى/ {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} (32) سورة الجاثية.

[5] {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} (27) سورة غافر.

[6] {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (28) سورة السجدة.

[7] {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} (46) سورة المدثر/ {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} (11) سورة المطففين

{كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} (9) سورة الإنفطار.

[8] {وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ } (33) سورة المؤمنون/ {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ } (16) سورة الروم/ {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ } (147) سورة الأعراف/ {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} (8) سورة البقرة/ {الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } (45) سورة التوبة/ {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ } (29) سورة التوبة /{وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} (7) سورة فصلت/ {وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} (19) سورة هود

{وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} (45) سورة الأعراف/ {الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } (27) سورة النجم، (4) سورة النمل، (74) سورة المؤمنون، (45) سورة الإسراء، (10) سورة الإسراء، (113) سورة الأنعام/ {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ } (60) سورة النحل/ {فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } (22) سورة النحل.

[9] {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } (31) سورة الأنعام/ {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } (7) سورة يونس/ {الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } (11) سورة يونس/ {الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } (15) سورة يونس/ {الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ } (45) سورة يونس/ {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ } (105) سورة الكهف/ {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا } (21) سورة الفرقان/ {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ } (23) سورة العنكبوت/ {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} (8) سورة الروم/ {بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} (10) سورة السجدة/ {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ } (54) سورة فصلت.

[10] {وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} (49) سورة الإسراء/ {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا } (51) سورة الإسراء، {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ } (51) سورة الإسراء/ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ } (5) سورة الحـج/ {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } (10) سورة السجدة/ {وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (38) سورة النحل.

[11] {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} (4) سورة الحاقة.

[12] {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} (21) سورة الصافات.

[13] {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } (39) سورة مريم.

[14] {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (48) سورة يونس، (38) سورة الأنبياء، (71) سورة النمل، (29) سورة سبأ، (48) سورة يــس، (25) سورة الملك / {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} (97) سورة الأنبياء.

[15] {وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} (27) سورة الإنسان/ {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا } (22) سورة ق.

[16] {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ } (43) سورة الرحمن/ {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} (20) سورة السجدة/ {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} (42) سورة سبأ/ {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} (14) سورة الطور/ {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} (29) سورة المرسلات/ {ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} (17) سورة المطففين.

حامد العولقي

ملاحظة: هذا الموضوع فرغت من كتابته عام 2007م ولكني أجّلت نشره لظروف وانشغالات. وقد أرفقت ملف الوورد الأصلي القديم (دون أن أعدّل فيه أي شيء، لكي لا يتغير التاريخ):

ملف وورد قديم

 كما قد تكلمت عن تفسير هذه الآية الكريمة (كما هو مكتوب في ملف الوورد) قبل هذا التاريخ بسنة أو سنتين (خلال نقاش مع أحد الأخوة) في برنامج البالتوك (قسم السوشال إيشيوز). ولعلي في المستقبل إن شاء الله أرفق الملف الصوتي الأصلي القديم (لعله من عام 2006م)، بعد أن أختصره وأشذّبه بعض الشيء.