نشوء البيان

دراسات قرآنية لغوية تاريخية آثارية

Untitled 1

حكمة سليمان تهدي ملكة سبأ

  

حكمة سليمان أحكمت السؤال

عند وصول ملكة سبأ، وجّه إليها سليمان السؤال المحكم: [أَهَكَذَا عَرْشُكِ (42) النمل]. وهذا السؤال لن يقلق ما هو مترسب في ذهن ملكة سبأ من معلومات خاطئة (أن عرشها باليمن)، لأنها ستفهمه بهذا المعنى: هل هذا العرش (الذي أمامك) مثل عرشك (الذي باليمن) ؟

ولو كان السؤال: (أهذا عرشك؟)، لاستغربته الملكة ولقالت (كيف يكون هذا عرشي ؟ بينما عرشي باليمن). بل قد تنتبه وتأخذ في التحقق والتمعن في العرش الذي أمامها فتعلم أنه عرشها.

  

هل عرفت ملكة سبأ عرشها؟

لا يبدو أنها علمت أن العرش الذي أمامها هو عرشها، لأن جوابها: [كَأَنَّهُ هُوَ (42) النمل]، يبدو بمعنى : كأن هذا العرش (الذي أمامي)، هو عرشي (الذي باليمن). فهي لم تقل : (هذا عرشي). وجواب ملكة سبأ (كَأَنَّهُ هُوَ) يفيد أن تنكير العرش (تغييره) كان طفيفاً، لأن جوابها يدل على تشابه مذهل قد يصل إلى حد التطابق بين ما تظنه عرشين. فما الذي صدّها عن أن تعلم أن هذا عرشها، فتقول بكل حزم وثقة (هذا عرشي)، لابد أنه ذلك الاعتقاد الخاطئ أن عرشها موجود باليمن.

  

لماذا جلب سليمان عرش ملكة سبأ ثم نكّره لها؟

إحضار العرش وتنكيره لم يكن هدف سليمان وإنما كان مجرد أداة ووسيلة استخدمها ليصل إلى هدف آخر بالغ الأهمية، وهو أن يعلّم ملكة سبأ أن دينها الباطل (عبادة الشمس)، قد صدها عن أن تعلم حقيقة أن الله هو الإله الحق الذي لا إله غيره.

فكما صدتها أوهامها (وهم أن عرشها موجود باليمن) عن معرفة الحقيقة (حقيقة أن الذي أمامها هو عرشها)، كذلك صدتها أوهام دينها عن معرفة الحقيقة أن الإله الحق هو الله الذي لا إله غيره.

وهذا يذكرنا بحال أخوة يوسف، فرغم أنهم ظلوا يترددون على أخيهم يوسف وهو عزيز مصر، يرونه ويخاطبونه مراراً، ولكن اعتقادهم وتصورهم الخاطئ عن حال أخيهم صدّهم عن أن يعلموا حقيقة أن الذي أمامهم هو أخوهم يوسف.  فاستمروا تحت تأثير الوهم الذي يصدّهم، حتى أيقظهم يوسف [قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) يوسف]، فتنبهوا وانقشع الضباب وتلاشت الأوهام وانعدم ما يصدّهم وأفاقوا من غمرتهم فعرفوا وعلموا [قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ (90) يوسف].

 

لماذا طلب سليمان من ملكة سبأ أن تدخل الصرح؟

هذا تأكيد للدرس الأول. فبعد أن قيل لملكة سبأ [ادْخُلِي الصَّرْحَ (44) النمل]، بدأت الأوهام مرة أخرى تحكم عقلها فحسبت أنها ترى ماء [فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً (44) النمل]. ولكي تدخل الصرح عليها أن تخوض هذا الماء (الذي لا يوجد إلا في عقلها)، فقامت برفع ثوبها عن مستوى ما تظنه ماء [وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا (44) النمل]. فأثبت سليمان لملكة سبأ للمرة الثانية أن وهمها واعتقادها الخاطئ (حَسِبَتْهُ لُجَّةً) صدها عن العلم بالحقيقة (أن الذي أمامها صرح صلب زجاجي).

  

إني ظلمت نفسي

 استوعبت ملكة سبأ الدرس جيداً وفهمت ماذا أراد سليمان من إحضار عرشها وتنكيره ومن إدخالها الصرح الممرد بالقوارير، وهو أن أوهامها الدينية وتقديراتها الخاطئة التي جعلتها تؤله الشمس قد صدتها عن معرفة الإله الحق الله، كما صدها ظنها الخاطئ (أن عرشها باليمن وأنها ترى ماء) عن معرفة عرشها الذي أمامها والأرضية الزجاجية.

وقد ربطت الآية الكريمة [وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) النمل]، بين الوسيلة (إحضار العرش وتنكيره) وبين الهدف أن الأوهام تصد الحقائق. فكأن الآية تمثل حال وأمر سليمان أنه قد سبق ملكة سبأ في العلم بشأن عرشها بينما كانت أوهامها تصدها عن معرفته، وكذلك سبقها سليمان في الإسلام لله بينما كانت عبادة الشمس تصدها عن معرفة الإسلام وأن تسلم لله.

ولما أفاقت الملكة من غمرتها وأزالت الغشاوة عنها [قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) النمل].

 

هل تعلمنا من حكمة سليمان؟

إن اعتقدنا في معلومات خاطئة فسوف يصدنا ذلك عن العلم بالحقيقة. لذلك ينبغي أن نتأكد من معلوماتنا (هل هي أوهام وأكاذيب أم هي حقائق) قبل أن نجعلها ثوابت ومسلمات. فإن امتلأت قلوبنا وعقولنا بأوهام كاذبة خادعة، فسيؤثر ذلك على رؤيتنا للأمور وكأننا في غمرة [بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا (63) المؤمنون]/ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) الذاريات].  

حامد العولقي