معنى قريش
ما قيل في اشتقاق اسم قريش
(1) من اسم أبيهم قريش[1].
وقيل هو (قريش بن مَخْلَد بن غالب بن فهر)
[2]،
أو (قريش بن بدر بن يخلد)[3]،
أو (قريش بن الحارث بن يخلد اسمه بدر)[4].
وقيل قريش هو النضر[5].
وقيل قريش هو قصي[6].
وقيل قريش هو فهر[7].
وكلها أقوال من الخيال.
(2) من كسب وجمع المال
(التقرش)[8]
والتقاريش
(3) من اسم سمكة[9]
القرش لقهرها سائر دواب البحر
(4) لقرشهم
(تفتيشهم) عن حاجة المحتاج وسد خلته[10].
(5) قيل قريش، من أجل أنها تقرشت عن الغارات (تاريخ الطبري)
وهي آراء غير صائبة
الوجه الصحيح
اسم قريش من
التقرّش أي
التجمّع[11]
والتحشّد حول الحرم، وهو الصحيح. وهذا الاشتقاق الصحيح جاء في
عبارات مثل: (سميت قريش قريشا: لتجمعها)[12]،
(متى سميت قريش قريشا؟ قال: حين
اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش)[13]، (وسميت
قريش قريشا لتقرشها أي لتجمعها
إلى مكة)[14]،
(سميت قريش لاجتماعهم
بمكة)[15]،
(فجمعهم
قصي ... بمكة فسموا قريشا)[16]،
(سُمِّيت
لاجتماعِها بمكّة)[17]،
(سميت
بذلك لتَقَرُّشِها أي: تجمُّعِها
إِلى مكة)[18]،
(أن
قريشا لم تكن تسمى بهذا الاسم حتى
قرشها قصي ... أي جمعها
حول الحرم)[19]،
(سموا
بذلك
لاجتماعهم)[20]،
(سموا
قريشاً، لأنه
قرشهم، أي:
جمعهم)[21]،
(وبه
سميت قريش قريشا لأنه
جمعهم)[22]،
(ومنه: قريش،
لتجمعهم، إلى الحرم)[23].
ولكن هذا المعنى الصحيح
(معنى
التجمع)، ابتعد عن الصواب لقولهم أن قريشاً كانوا متفرقين[24]
ثم (جمعهم قصي) بمكة. وهذا القول من خيال الرواة. وذلك لأن
الذي قرش الناس
(جمعهم حول
البيت) لم يكن قصي[25]
(وهو اسم اختلقه الرواة، بمعنى أنه تقصّى قريشاً من
الأقاصي)، وإنما كان بيتُ الله
(الذي جعل الناس تهوي إليه من كل مكان ويتجمعون عنده). فالمُجمّع هو بيت الله،
وليس قصي. فقولهم [من أجل تجمع قريش إلى قصي
سميت قريش قريشا/
أخبار مكة - الأزرقي]، تصحيحه ينبغي أن يكون هو (من أجل
تجمع قريش إلى بيت الله). ولا
أدري كيف غفل الرواة عن أمر واضح معروف وهو أن
بيت الله هو
الذي جمع الناس فتكونت قريش، لا غيره.
هل جمهور قريش من ذرية إسماعيل أم من عموم العرب والناس؟
الرأي الذي يقول أن قريشاً سموا كذلك، لتجمعهم
(= لتقرشهم) بمكة، أصاب في العموم[26]،
ولكنه انحرف في زعم أن قصياً جمعهم[27]
بمكة. والصواب أن بيت الله هو الذي
جمعهم
(= قرشهم)
حوله
(بسبب الحج والعمرة والتعبد لله عنده وطلب الأمن).
الأصدق هو إشارات القرآن التي نفهم منها بوضوح بالغ أن
الهدف الأساسي من بناء بيت
الله هو لكي يكون (لكل) الناس
(ليخلصوا عنده العبادة لله
وحده)، وبالتالي مكة جعلها
الله (لكل) الناس
(ولم
يجعلها فقط لذرية إبراهيم). فبيت الله هو بيت
عام
(لكل الناس)، وليس خاصاً لقوم
(كأي قرية أخرى).
ولا نحتاج أن نذكّر بالحقيقة المعروفة أن (كل)
الناس يأتون إلى مكة [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُّ الْبَيْتِ/ وَأَذِّنْ فِي
النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا]. فكلنا يعرف أن الله أمر
إبراهيم ببناء البيت الحرام لكي يأتي إليه
كل الناس لحج بيت الله وزيارته
والتعبد والصلاة عنده لله وحده:
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنًا} البقرة 125
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ
لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} البقرة
189
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} آل عمران 96
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ} آل عمران ٩٧
{جعل الله الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قيَاما
للنَّاس} المائدة ٩٧
{عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِي إِلَيْهِمْ} إبراهيم ٧
{وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ
لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ
وَالْبَادِ} الحج ٢٥
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
يَأْتُوكَ رِجَالًا} الحج 27
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ
جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا
رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ} الحج 34
{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} البقرة 196
فنلاحظ بوضوح الاقتران المتكرر لكلمة (الناس)
ببيت الله. وهذا يؤكد بوضوح بالغ معنى أن بيت الله جعله الله (لكل
الناس)، وليس فقط لمن كان من ذرية إسماعيل من أهل مكة.
ولكن رغم وضوح الآيات التي تجعل مكة (لكل)
الناس، غفل الرواة
(من النسابة والأخباريين وغيرهم)
عن هذا المعنى العظيم، وكأنهم لم يقرأوا آيات مكة أو
كأنهم لم يفهموها أو غفلوا عنها. فلا نجد الرواة يفرقون بين
مكة وبين غيرها من القرى، بل نجدهم يتعاملون مع مكة كأي قرية
أخرى من قرى الأرض. فأهل الأنساب كعادتهم، يجعلون أهل أي قرية
هم أبناء المؤسس لها
(ذريته). وكذلك وجدناهم يجعلون أهل مكة
(قريش)
هم أيضاً أبناء المؤسس[28]
(إبراهيم وابنه إسماعيل). فهل نسى الرواة أن مكة لا تشبه أي قرية
وأنها تختلف عن كل قرى الأرض؟ أم هل جهلوا ذلك؟ فإن قلنا أن
غالب أهل مكة
(غالب قريش)
هم ذرية إبراهيم وإسماعيل،
فأين إذن ذهب الهدف الأصلي من إنشاء مكة الذي أشار إليه
القرآن، وهو (أن مكة
لكل الناس)؟ ألم يعلموا أن
آيات القرآن ذكرت مرات عديدة أن الله جعل بيت مكة
لكل الناس؟ هل نسى الرواة ذلك
أم جهلوه؟
غفل الرواة عن أمر عظيم مشهور وهو أن كل
الناس يأتون الى بيت الله يتجمعون عنده
(=
يتقرشون)
وباستمرار بلا توقف
(منذ أذان إبراهيم في الناس بالحج منذ نحو 2000 ق.م، أو
منذ نحو 2600 سنة قبل الإسلام). ثم
فاتهم إدراك تأثير ذلك ونتائجه المهمة. فزلّوا في خطأ فادح،
فجعلوا مكة لذرية إسماعيل فقط
(كما يقولون عادة عن أي قرية أخرى أن أهلها هم ذرية
المؤسس لها). ذلك أن الرواة لما نسوا
أو غفلوا أو لم ينتبهوا أن
هدف الله الأصلي من إنشاء مكة
هو أن تكون لكل
الناس، وأن هؤلاء الناس
(الذين
هم من كل مكان) سيظلون يفدون
إلى مكة ويتقرشون
(= يتجمعون) حول البيت وبلا انقطاع طوال
العام ولأكثر من ألفي سنة
[مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: فمن سكنى إسماعيل عليه
السلام مكة إلى الهجرة ألفان وسبع مئة
وثلاث وتسعون سنة]، أوقعتهم هذه الغفلة في خطأ أن مكة مثل غيرها من القرى
(أي لذرية الذين بنوها). فإذا قرأنا في كتبهم أو رواياتهم شيئاً عن أصل قريش
(أهل مكة)،
فإننا لا نجد فيها أن قريشاً هم ذرية
الوافدين إلى بيت الله
(من الذين جاؤوا إلى مكة ثم بقوا
فيها ولم يغادروها)، وإنما دائماً نقرأ أن
قريشاً هم ذرية إسماعيل. بل ويسردون لنا نسب[29]
قريش الخرافي الطويل حتى يوصلوه بإسماعيل وإبراهيم. فترسّخ في
عقولنا هذا الأمر الخيالي الذي ظل يردده النسابة، وهو أن كل
قريش أو غالبهم هم ذرية إسماعيل. فالحجاج والمعتمرون والوافدون
(الذين من كل أصقاع جزيرة
العرب وما جاورها والذين هم من أصول وأعراق
متنوعة مختلفة لا يعلم بها الا
الله)، الذين جاؤوا الى بيت الله وتقرشوا
(= تجمعوا)
عنده، والذين ظلوا يفدون إلى مكة على مدى أكثر من ألفي سنة،
منهم مَن اختار أن يبقى بمكة
للتعبد أو للأمن، فتكوّن منهم عبر هذا الزمن الطويل سكان مكة
(قبيلة قريش). ومع
ذلك جعل الرواة قبيلة قريش
(التي
تكونت عبر الزمن الطويل في الحقيقة من
الوافدين الذين بقوا
بمكة)
بكل
سطحية وسذاجة من ذرية إسماعيل
[وأن قريشا "قرعة/ فرعة" إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده/
سيرة ابن هشام][30]. وكأن الذين هم من ذرية إسماعيل
(من أهل مكة) ظلوا
طيلة الألفي سنة يمنعون ويطردون ويخرجون كل مَن أراد أن
يبقى عند بيت الله من
الوافدين. وليت الرواة اقتصروا على ذلك الوهم، بل شطح بهم
الخيال فجعلوا ذرية إسماعيل
(الذين بمكة، وهم قريش لدى الرواة) يتكاثرون جداً حتى ضاقت بهم مكة[31]
فانتشروا خارجها حتى ملأوا الحجاز[32]،
ثم بعد ذلك ضاق بهم الحجاز فانتشروا خارجه حتى ملأوا نجداً.
وهكذا ظهر من الخطأ الأول أو الخرافة الأولى الصغرى
(أن قريشا من ذرية إسماعيل)، خطأ
آخر أو خرافة أخرى جديدة كبرى هي (أن نجداً والحجاز هم أيضاً
من ذرية إسماعيل)[33].
وتوسع بعضهم فجعل اليمن[34]
أيضاً من ذرية إسماعيل[35]
(باب نسبة اليمن إلى إسماعيل/
فمن العلماء من ينسب اليمن إلى إسمعيل/ قحطان من ذرية
إسماعيل)،
فأصبح كل العرب من إسماعيل
[كل العرب من ولد إسماعيل بن
إبراهيم/
الطبقات]. ثم
تمادوا في الشطح والخيال بلا حد ونسبوا الروم[36]
(وجعلوا الروم واليونان والأسبان من إسماعيل من جهة الأم)[37] واليونان[38]
والفرس[39]
والترك[40]
والصين[41]
والكرد[42]
والسودان[43]
وغيرهم إلى إبراهيم[44].
الخطأ الأساسي الذي انزلق فيه النسابة[45]
هو أنهم جعلوا قرية مكة (التي لا نظير لها في
القرى) مثل غيرها. فكل قرية في الأرض
(عدا
مكة) عادة يؤسسها ويبنيها شخص أو أشخاص
(جد أو أجداد) أو قوم، لتكون لهم ولذريتهم
ولعبيدهم ولمن يرضون ويأذنون أن يسكن معهم من الوافدين عليهم
(مع
افتراض أن هذه القرية لم تتعرض لاحتلال وغزو قاهر من قوم
آخرين). فكل قرى الأرض هكذا، للذين أسسوها وبنوها
(من
أفراد أو جماعات)، لكي تكون لهم ولذريتهم ولمن سمحوا لهم وأذنوا لهم من
الوافدين.
مكة أسسها وبناها الله وليس البشر
مكة (أم القرى) هي قرية فريدة من نوعها
تختلف عن كل قرى الأرض، ولا يوجد لها مثيل في القرى، ولا ينبغي
أن نساويها بأي قرية. فكل قرية بالأرض أسسها البشر، إلا مكة
أسسها الله. فمكة هي
بلد الله، هو الذي اختارها لا
غيره [{وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} الحج:
26]، وهو الذي أمر أن تكون لا غيره، وهو الذي أمر ببناء
البيت فيها لا غيره، وهو الذي أسسها وأوجدها لا غيره
[{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ
الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} المائدة: 97]. فلا
دخل للبشر في اختيار مكة وتأسيسها وإيجادها وتكوينها. مكة
جعلها الله له وحده ولعبادته وحده، وجعلها
لكل الناس
(من
كل عرق ولسان وجنس وطبقة) ممن رغب أن يعبد الله وحده.
مكة بلد عام
عالمي للجميع. فلا يستطيع أحد
(كأي قرية أخرى) أن يقول لأي دخيل أراد أن يعبد الله وحده فيها: مكة أرضي وليست أرضك، فاخرج
منها
(كما جعلوا نبتاً يقولها للجرهمي "اخرج
عني من مكة وإلا أخرجت روحك من بدنك"). هذا القول لا معنى له في مكة
(وأما
أي قرية أخرى فيستطيع أهلها بل ولهم الحق أن يقولوا للدخيل لا
نرغب بوجودك في قريتنا وعليك أن تغادر). وأما قرية مكة، فلا حق لأحد أن يقول لأي دخيل أراد أن
يعبد الله عند بيته: أخرج من مكة. وذلك لأن أرض مكة
ملك لله وحده جعلها
عامة لكل الناس، ولم يجعلها
خاصة لقوم
(كغيرها من القرى). ومكة منذ نشأتها لم تكن ساحة للحرب والقتال تُسفك فيها الدماء ويطرد
أهلُها بعضُهم بعضاً
(كما يتصور الرواة) بسبب تنافس وتصارع وتغالب الملوك والقبائل على حكمها والسيطرة عليها كما
ذكروا مِن تقاتل وحرب وتصارع ونفي وطرد وإجلاء بين أقوام مكة
قبل الإسلام. فقد تخيل الرواة مثلاً أن بني إسماعيل وجرهم
أخرجوا العماليق[46]
من مكة، وتقاتل جرهم وقطورا[47]،
ثم بنو بكر وخزاعة أخرجوا
جرهماً[48]
وقيل بنو إسماعيل[49]،
أو إياد[50]
أخرجوا جرهماً، ومضر أو خزاعة أخرجوا
إياداً[51]،
ثم قُصيّ أخرج خزاعة[52].
ولكن لم ينتبه الرواة لهذا الأمر المهم: أن مكة تختلف عن غيرها. أو أنهم
نسوه فانزلقوا في الخطأ، فجعلوا مكة مجرد قرية كبقية القرى
التي يؤسسها ويبنيها قوم، لهم ولأولادهم ولمن أرادوا. فظن
الرواة أن جميع سكان مكة
(قريش) هم من ذرية الذي بنى الكعبة
(إبراهيم وابنه إسماعيل)، فقالوا عن مكة كما يقولون عادة عن أي قرية أخرى: أنهم ذرية المؤسس الذي
بناها. ولذلك اخترع الرواة خرافة (استرداد) ذرية إسماعيل
(يقصدون بهم قريشاً)
لمكة، بعد أن تقصّاهم قُصيّ من الأقاصي. فتخيل الرواة أن
ذرية إسماعيل
(يقصدون قريشاً بقيادة قصي)، استعادت[53]
مكة من الأقوام الأخرى
(مثل خزاعة وبني بكر وغيرهم)
الذين سيطروا على مكة قبل قريش. وهكذا حسب تصورات الرواة جعلوا مكة تعود
لأصحابها أبناء المؤسس لها
(إبراهيم وإسماعيل)
بعد أن استردوها
(أبناء المؤسس)
من الدخلاء الغرباء كقبيلة خزاعة
(الذين ليسوا من ذرية إسماعيل). وهكذا تعامل الرواة مع مكة
كأي قرية أخرى من قرى الأرض، فجعلوها
(حسب منطقهم)
تعود
في النهاية إلى أهلها الشرعيين ذرية المؤسس لها
[(معاشر قريش هذه مفاتيح بيت
أبيكم إسماعيل
ردها الله عليكم)، (يا
بني أسماعيل نحن أحق بهذا البيت من غيرنا)، (يا
بني إسماعيل، قد ردّ
الله عليكم مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل)][54].
علينا أن ننتبه لأمور مهمة ترتبط بمكة فقط
(ولا
تكون لغيرها): الأمر الأول أن الله هو الذي
أسس مكة وبناها واختارها وأوجدها
(لا غيره). والأمر
الثاني أن الله جعل مكة بلدة عالمية
لكل الناس كما وضحنا. وإذن بسبب هذين الأمرين لم يكن
أحد يستطيع أن يمنع الناس من السكن والبقاء بمكة طيلة الألفي
سنة
(منذ إبراهيم). والأمر الثالث
الأمن العظيم الذي جعله الله
عند بيته والذي ليس فوقه أمن في الدنيا:
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنًا} البقرة 125
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا
آمِنًا} البقرة 126
{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} آل
عمران 97
{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا}
إبراهيم 35
{أو لم نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا}
القصص 57
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً
آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}
العنكبوت 67
{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} التين 3
{وَآمَنَهُمْ
مِنْ خَوْفٍ} قريش 4
ومن هذه الأمور المهمة العظيمة (أن مكة أسسها الله، وعمومية وعالمية مكة،
وأمنها العظيم)، جاءت نتيجة خطيرة لم
ينتبه لها الرواة، وهي أن كثيراً من الحجاج والمعتمرين
والوافدين منذ زمن إبراهيم، كانوا يرغبون في
البقاء في مكة
[وَمَنْ دَخَلَهُ/ مِّنَ
النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ]. وأسباب ذلك عديدة متنوعة. فالقلة من هؤلاء الوافدين هم
صالحون زاهدون يرغبون في البقاء لأجل عبادة الله طيلة حياتهم
(وهذا الأمر مستمر إلى اليوم. فقد رأينا بعد الإسلام ما لا يحصى من العلماء
والصالحين وبسطاء الناس الذين جاوروا
بمكة سنين طويلة أو حتى مماتهم). وأما الكثرة من الوافدين
فهم مساكين فقراء مستضعفون خائفون لاجئون
[أو خائف مستجير بالبيت
والحرم فيأمن بذلك/
أخبار مكة – الفاكهي]
يرغبون في البقاء لأجل الأمن
العظيم بمكة
(الذي
ليس فوقه أمن في الدنيا). ولنتذكر أنه لا أحد يملك أرض
مكة فيكون له الحق في اخراج الوافدين الجدد إن اختاروا مجاورة
البيت والبقاء عنده. وفي تلك الأزمنة القديمة
(منذ زمن إبراهيم وما قبله) كان الأمن عملة نادرة وشبه معدوم، لأن الدول المتحضرة القديمة كانت قليلة.
وحتى إن وجدت دولة ذات نظام وقانون، فإن سلطة الأمن لا تتعدى
حدود العاصمة. وكانت القرى زمن إبراهيم وبعده، قليلة وبسيطة
وصغيرة وغالباً كانت مسوّرة لحمايتها من الغزو. وقد أشار
القرآن لقلة الأمن خارج مكة
[{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً
وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ
حَوْلِهِمْ} العنكبوت: 67]. وكان في تلك الأزمنة البدائية حضارياً، كثير من المستضعفين والعبيد
والفقراء والمساكين في كل مكان. وحتى في الدول المتحضرة
(بعُرف ذلك الزمان) كالعراق[55]
ومصر وفارس واليونان[56]
والرومان[57]
وغيرهم كان غالب السكان من الفقراء والعبيد والمساكين، فكيف
بأكثر المناطق التي ليس فيها دول. فالأحرار قديما كانوا قلة في
كل مكان
(وفي
حدود نفوذهم فقط). ولذلك إذا مرّ بمكة مستضعف أو خائف أو عبد أو مسكين أو
ذليل أو طريد[58]،
فإنه لن يختار أن يتركها لو استطاع، لوفرة الأمن فيها[59].
ولا أحد من أهل مكة ممن سكنها قبله، يستطيع أن يمنعه[60]
من البقاء بها فيقول له مثلاً لقد حججتَ واعتمرتَ والآن عليك
الرجوع لبلادك
(لأن مكة بلدي أنا وجماعتي فقط).
وذلك لأن مكة ليست ملكاً لأحد من البشر، وإنما هي
أرض الله جعلها لكل الناس
[جَعَلْنَا الْبَيْتَ
مَثَابَةً لِلنَّاسِ/
وُضِعَ لِلنَّاسِ/
جعل الله الْكَعْبَة
الْبَيْت الْحَرَام قيَاما للنَّاس/
وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي
جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ]. ولو افترضنا أن شخصاً واحداً فقط كل شهر (أو
لنقل عشرة أشخاص فقط في السنة) من هؤلاء العبيد أو
المستضعفين أو الخائفين أو المساكين أو العُبّاد والصالحين
الذين وفدوا مكة ثم مكثوا فيها وظلوا
بها ولم يغادروها منذ أن بنى إبراهيم وإسماعيل الكعبة
(منذ نحو 2000 سنة قبل الميلاد)
حتى تكونت قبيلة قريش
(ولنقل عبر ألفي سنة)، لبلغ عدد هؤلاء الدخلاء نحو 20 ألفاً. هذا غير عدد ذريتهم الضخم خلال
الألفي سنة الذي سيتضاعف أضعافاً مضاعفة. وهؤلاء الدخلاء
الوافدون الذين بقوا في مكة هم
وذريتهم عبر هذا الزمن الطويل
(نحو 2000 سنة)،
سيتكاثرون جداً
(أكثر
من بقية القرى) بسبب الأمن العظيم. فهؤلاء الذين بقوا في مكة عبر الزمن
(منذ زمن إبراهيم) فإنهم بسبب أمن مكة العظيم، لن يتعرضوا
لغزو من الخارج أو لسبي أو لقتل[61]
أو لجوع على مدى هذا الزمن الطويل
[جعلها حرما آمنا من القتل
فيها والسبي والظلم][62].
فانظر كم سيصبح عدد أولئك الوافدين الذين بقوا في مكة
الذين قللناهم جداً فجعلناهم
عشرة فقط كل سنة
[أَقِمْ
بمكة وإن أَكَلْتَ بها الْعِضَاهَ. يعني: الشجر/
فضائل مكة - الجندي]. فكيف إذا كان الوافدون الذين بقوا في مكة
(ولم يغادروها)
هم
في الواقع أكثر من ذلك بكثير؟
فغالب قريش في الحقيقة هم ذرية أولئك الدخلاء الطارئين إلى مكة
(خلال فترة 2000 سنة منذ زمن إبراهيم) الذين وفدوا اليها ثم ظلوا بها ولم يفارقوها
[واتفقوا على استحباب المجاورة
بمكة][63].
وهكذا تكونت قريش من أولئك الناس المتنوعين
من كافة الأعراق الذين جاؤوا من كل أرجاء جزيرة العرب وما
حولها
[قرشه: جمعه من ها هنا وها هنا، وضم بعضه
إلى بعض، قال الفراء: ومنه قريش القبيلة/تاج العروس]
عبر العصور، ممن اختاروا
الاستقرار بالحرم ولم يرجعوا لبلدانهم
[من مات بمكة بعثه الله
في الآمِنِينَ يوم القيامة/
فضائل
مكة - الجندي].
هؤلاء الوافدون إلى مكة الذين كانوا من الزهاد العباد العقلاء الصالحون
المسالمون ومن المستضعفين الخائفين الفقراء المساكين ثم
استقروا بها، هم غالب قريش الذين جعلهم الله أشرف العرب. فالله
منّ على قاطني مكة المستضعفين ورفعهم، كما منّ على بني إسرائيل
المستضعفين الذين اختارهم وفضلهم على العالمين
[{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} القصص 5]، بعد أن كانوا عبيداً للمصريين
[فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا
وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) المؤمنون]. فالناس عادة لا ينظرون إلا إلى عظماء الأرض كالملوك والشعوب القوية
الظاهرة
[{لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}
الزخرف 31]، وأما الله فينظر بالعدل والحق والرحمة وقد يعزّ
المستضعف الذليل المسكين ويختاره ويرفعه على الآخرين[64]
[{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي
الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} الأنفال 26].
وأما محمد عليه الصلاة والسلام فهو من ذرية اسماعيل كما نص القرآن أن النبوة
في ذرية إبراهيم
[{وَجَعَلْنَا فِي
ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَابَ} الحديد 26]،
وكذلك
قلة من قريش.
وأما غالب قريش فهم من غير إسماعيل
(من
ناحية النسب الأبوي)[65]، لأننا لو قلنا غير ذلك فأين ذهب الناس ممن حج البيت منذ
نداء إبراهيم
[{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} الحج 27] منذ ما يقارب ألفي عام قبل الميلاد؟ ولا يمكن أن نقول أن كل أولئك الناس
بعد أن وفدوا من أرجاء الجزيرة لمكة، قد عادوا جميعهم لأوطانهم
عن بكرة أبيهم بعد قضاء مناسكهم ولم يتخلف منهم أحد[66]،
فهذا بعيد جداً وغير واقعي.
فالمسجد الحرام قد بارك الله حوله
بالخير العميم وبالأمن العظيم
[أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا
يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا
مِّن لَّدُنَّا ﴾ القصص 57/ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا
آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ ﴾ البقرة
126/ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ
وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) قريش]. وقد عهد الله لإبراهيم[67]
وابنه بخدمة الحجيج والمتعبدين عند بيت الله، لأن قدوم الحجيج
والمعتمرين والمتعبدين لا يتوقف ولا ينقطع. فهذا البيت الحرام
قديم جداً
(منذ زمن إبراهيم منذ نحو 2000 سنة قبل الميلاد). فهو أول[68]
بيت وضع للناس كلهم لا لذرية
اسماعيل فحسب. وكذلك هو شهير جداً يأتيه الناس من كل صوب وحدب
حجاً وعمرة وتعبداً لله عنده وطلباً للأمن والسلام والهدوء،
وبأعداد ليست بالقليلة بل كثيرة
وعلى مدار العام
[أعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا/
فضائل مكة - الجندي]. ويجد الناس فيه الراحة والخير والبركة
والأمن والصفاء والخشوع
والطهارة، فهو مثابة للناس وأمناً،
فلماذا لا يقطنه ويتعلّق به ويلصق به ويلوذ به ويعوذ به كثير
من الناس
(صالحين أو خائفين)
عبر الأزمنة؟ هل يعقل أن يأتي خائف مستضعف إلى مكة
(جنة الأمن والحماية والطمأنينة)
ويذوق أمنها العظيم الذي لا
مثيل له، فينعم فيه ويسعد
[المقام بمكّة سعادة
والخروج منها شقاوة/
فضائل مكة - الحسن البصري] ويهدأ باله ويستريح وتطمئن نفسه
[ولا اطمئن قلبي في موضع ما اطمئن
بمكة/
فضائل
مكة - الجندي]. فهل
بعد كل هذا السلام والهدوء الذي لا مثيل له، يختار ذلك
المستضعف الخائف أن يغادر مكة بمحض
إرادته إلى خارجها حيث الأخطار والعذاب والشقاء والنكد
والظلم والخوف وقسوة الحياة والظروف كما قال الجرهمي الذي فارق
مكة مكرهاً
[وأبدلني ربي بها دار غربة … بها
الجوع باد والعدو المحاصر/
فسحت دموع العين تبكي لبلدة … بها
حرم أمن وفيها المشاعر/
الروض الأنف]؟ هذا بعيد جداً. وهل يظن أحد أنه كانت هناك رقابة من بعض سكان مكة طيلة
الألفي سنة
(منذ زمن إبراهيم) يراقبون فيها
(على مدار العام) كل هؤلاء الزوار الوافدين لمكة
(الذين لا يكفون ولا يتوقفون
عن الإتيان لمكة) لكي يتأكدوا أن هؤلاء القادمين الجدد يجب أن يغادروا مكة
بعد أن ينتهوا من الحج والعمرة والتعبد لله عند بيته؟ هذا لم
يحدث قط، ولا يحق له أن يحدث.
من كل ما تقدم نفهم أن غالب قريش ليسوا من عرق واحد بل من أصول مختلفة من
أعراق شتّى من الجزيرة خاصة ثم من حولها، ممن ترك موطنه لأداء
الحج تلبية لنداء إبراهيم منذ أن نادى به
(نحو 2000 ق.م)،
تقرشوا بالبيت وكرّسوا أنفسهم
للعبادة والتطهر أو طمعاً في أمنها العظيم
(وأكثر الناس قديماً كانوا فقراء مستضعفين خائفين أذلة مساكين) فلم يرجعوا لمواطنهم ثانية، فُسمّوا مع الزمن قريشاً أي
المتجمعين اللاوين بالبيت الحرام الذين جاؤوا من كل مكان
[قرشه: جمعه من ها هنا وها هنا،
وضم بعضه إلى بعض].
وما أشبه اليوم بالبارحة، فما زلنا نرى أهل مكة إلى
اليوم على هذه الحال حيث نجد مكة فيها من كل الأعراق والأجناس
ولا تعرف التمييز والتعنصر بل حتى لا تعرف لهجة مستقرة نسبياً
كبقية مناطق الجزيرة. فلهجة مكة اليوم مثلاً مشكّلة ومنوّعة
فتشعر عند سماعها بلهجات مختلطة متداخلة
(يمانية وشامية ونجدية ومصرية وسودانية وغيرها).
ففي مكة كل أعراق وأجناس البشر خاصة جزيرة العرب، بل ومن خارج الجزيرة أيضاً
سواء من الساحل الأفريقي الطويل المقابل
(مصر
والنوبة والسودان والحبشة) أو من الهند واليونان
والروم وغيرهم
(عبر التجارة البحرية أو عبر الشام وشمال الحجاز)، منذ أن قطنها إبراهيم. وأما من جعل قريشاً عرقاً واحداً
(ذرية اسماعيل فقط)، فقد
تجاهل آيات القرآن وتجاهل الأحداث وتجاهل التاريخ وتجاهل
الواقع وتجاهل المنطق والحكم السليم واتبع متحجراً أماني
وحكايات خيالية غير واقعية
(وللأسف الفكرة القديمة التي قبلها الناس لأكثر من ألف سنة وإن
كانت خاطئة، فإنه يصعب جداً التخلص منها).
ووضع مكة بعد الإسلام فيه الكثير من ملامح ماضيها القديم قبل الإسلام. فما
أكثر المسلمين الذين جاوروا بيت الله سنين طويلة أو حتى لقوا
ربهم
[(واتفقوا على استحباب المجاورة بمكة/
اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة)، (عن الجمهور استحباب المجاورة بمكة/
المستدرك على مجموع الفتاوى)،
(المختار استحباب المجاورة
بمكة/ عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج)]. وما أكثر المهاجرين إلى مكة والحجاز من كل أصقاع العالم الإسلامي عرباً
وعجماً قديماً وحديثاً الذين استقروا بمكة وضواحيها وأصبحوا من
أهلها ونسوا أوطانهم الأولى. فمكة منذ أن تكونت زمن إبراهيم
وهي هكذا، أرض كل الناس، بلدة يتجدد أهلها كل حين وكل جيل. ومن
أولئك الناس القدماء الذين جاؤوا من كل مكان خلال الألفي سنة
وظلوا يتوافدون على مكة، تكونت قريش. وكذلك بعد الإسلام ظل
الناس يستقرون بمكة فيتكون منهم عبر الزمن أهل مكة الجدد،
وهكذا إلى اليوم[69].
[1]
نهاية الأرب في معرفة الأنساب العرب – القلقشندي: بنو قريش -
قبيلة من كنانة غلب عليهم اسم
أبيهم
فقيل لهم قريش على ما ذهب اليه جمهور النسابين.
[2]
أخبار الدولة العباسية: وقيل: سميت
بقريش بن مَخْلَد بن غالب بن فهر كان
صاحب عيرهم فكانوا
يقولون: قدِمَت عيرُ قُرَيش وخرجت عير قريش.
[3] تاريخ
الطبري: سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن
الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة/ بحر المذهب
للروياني: أنه سمي قريشاً لأن قريش بن بدر بن مخلد بن
النضر بن كنانة كان دليل بني كنانة في تجارتهم.../
عمدة القاري شرح صحيح البخاري: سميت قريش برجل يقال له
قريش بن بدر بن يخلد بن النضر كان دليل بني كنانة في
تجاراتهم فكان يقال قدمت عير قريش وأبوه بدر صاحب بدر
الموضع/
[4] عمدة
القاري شرح صحيح البخاري: سميت بقريش بن الحارث بن
يخلد اسمه بدر التي سميت به بدر وهو احتفرها
[5] جامع الأصول - ابن
الأثير:
وأما
النَّضْرُ، فإنه يُسمَّى قُريشا، وبه سُمِّيت قُريشُ. فكُلُّ مَنْ
كان من ولد النَّضر فهو قُرشيّ، وقيل: بل كل مَنْ كان
من ولد فِهْر بن مالك فهو قرشيّ. وقيل: إنَّ أول من
سُمِّي قُرَشيا قُصيّ وفيه بعد والأكثر الأول، وقد
اختلفوا في النسب الذي سُمِّي به النَّضْر قُرَيشا،
والأكثرون على أنَّه من التَّقَرُش: وهو التجمع/
القاموس المحيط: أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه
يوما، فقالوا: تقرش، أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا:
كأنه جمل قريش، أي: شديد/
[6] الطبقات الكبرى: فقال عبد الملك:
... سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي. ولم تسم قريش
قبله/ جامع الأصول - ابن
الأثير:
وقيل: إنَّ
أول من سُمِّي قُرَشيا قُصيّ وفيه بعد والأكثر الأول/ نهاية الأرب في معرفة الأنساب العرب –
القلقشندي:
وزعم المبرد ان هذه التسمية انما وقعت لقصي بن كلاب.
[7]
بحر المذهب للروياني: أن
فهر
بن مالك
كان اسمه قريشاً وإنما نبزته أمه فهراً لقباً/ نهاية الأرب في معرفة
الأنساب العرب – القلقشندي: وذهب آخرون إلى أن
قريشاً هو فهر
بن مالك بن النظر فلا يقال قريش الا لمن كان من ولد
فهر، ورجحه جماعة بل قد قيل ان قريشا اسم لفهر، وان
فهر لقب عليه
[8]
الرسائل للجاحظ: لأنه
لم يكن لهم أب يسمى قريشاً
فينتسبون إليه، ولكنه اسم اشتق لهم من التجارة
والتقريش/ ديوان الأدب - أبو إبراهيم الفارابي:
والقرش: الجمعُ والكسب. ومنه سُمّيت قريش/
أخبار الدولة العباسية: وقيل: سميت بذلك لتَجْرِها
وتكسُّبها وضَرْبِها في البلاد تَبْتَغي الرزق، وقيل:
سميت بذلك لأَنهم كانوا أَهلَ تجارة ولم يكونوا
أَصحابَ ضَرْع وزرْع من قولهم: فلان يَتَقَرَّشُ
المالَ أي: يَجْمَعُه/ المستقصى في
أمثال العرب - الزمخشري: والقرش الكسب وبهذا سميت
قريشا/ بحر
المذهب للروياني: أنهم سموا قريشاً للتجارة لأنهم
كانوا تجاراً في رحلتي الشتاء والصيف؛ لأن التجار
يقرشون ويفتشون عن أموال التجارة/ القاموس المحيط: أو
لأنهم كانوا يتقرشون البياعات، فيشترونها/ نهاية الأرب
في معرفة الأنساب العرب – القلقشندي: وقيل من التقاريش
وهو التجارة.
[9] [أخبار الدولة العباسية: قال:
فقام إليه سراقة فقال: يا ابن عباس بم سميت قريش
قريشا؟ ... إنما سميت قريش قريشا: إن في البحر حوتا
يسمى قريشا يأكل الحيتان ولا يؤكل، ... فلذلك سميت
قريش قريشا/
بحر المذهب للروياني: أنهم سموا قريشاً لقوتهم تشبيهاً
بدابة في البحر قوية تسمى قريشاً كما قال تبع بن عمرو
الحميري: وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش
قريشا، تأكل الغث والسمين ... هكذا في العباد حي قريش
يأكلون البلاد أكلا كشيشا/ نشوة الطرب في تاريخ جاهلية
العرب: وقيل: إنما سميت قريشا باسم دابة في البحر
تلتقم دوابه، ولها الغلبة والصولة يقال لها: القرش/
نهاية الأرب في معرفة الأنساب العرب – القلقشندي: ثم اختلف في
سبب تسمية قريش فروي عن ابن عباس ان النظر كان في
سفينة فطلعت عليهم دابة من دواب البحر يقال لها قريش،
فخافها أهل السفينة فرماها بسهم فقتلها وقطع رأسها
وحملها معه إلى مكة، وقيل لغلبة قريش وقهرهم سائر
القبائل، كما تقهر هذه الدابة سائر دواب البحر
وتاكلها.
[10] غريب الحديث – الخطابي:
والتَّقْرِيشُ أيضًا: التَّفتيشُ. وقال معروف بْن
خَرَبُوذ إنما سُمِّيت قُريْشًا لأنّهم كانوا
يُفتِّشون الحاجَّ عَنْ خَلَّتِهم فيَسدُّونها
يُطعمون جائعَهم ويَكْسُون عَارِيَهم ويَحْمِلُون
المُنْقطَعَ بِهِ/
بحر المذهب للروياني: أنهم سموا قريشاً؛ لأن النضر بن
كنانة سمي قريشاً لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم
فيسدها/
نهاية الأرب في معرفة الأنساب العرب – القلقشندي: وقيل
لقرشهم عن حاجة المحتاج وسد خلته/ تاج العروس: أو
لأنهم كانوا يفتشون الحاج، بالتخفيف، جمع: حاجة
فيسدون خلتها، فمن كان محتاجا أغنوه، ومن كان عاريا
كسوه، ومن كان معدما واسوه ومن كان طريدا آووه، ومن
كان خائفا حموه، ومن كان ضالا هدوه، وهذا قول معروف
ابن خربوذ.
[11]
صفة جزيرة العرب للهمداني:
التَّكلع والتَّبكل والتَّحشدُّ
والتَّقرّش
والتَّحبشُّ الاجتماع/ الإكليل: والتبكل والتحشد
التجمع. وكذلك التحبش والتكلع
والتقرش/ اللسان: تَقَرَّش القومُ: تجمَّعوا/
[12] سيرة ابن
هشام: قال ابن إسحاق: ويقال: إنما سميت قريش قريشا:
لتجمعها من بعد
تفرقها. ويقال للتجمع: التقرش
[13] تاريخ
الطبري: متى سميت قريش قريشا؟ قال: حين
اجتمعت إلى الحرم من
تفرقها، فذلك التجمع التقرش فقال عبد الملك: ما سمعت
هذا، ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي، ولم تسم
قريش قبله.
[14] التفسير
البسيط: وسميت قريش قريشا لتقرشها أي
لتجمعها إلى مكة من
جوانبها، وكانوا متبددين في الأرض، فتقرشت أي اجتمعت
بعد التفرق حين جمعهم قصي بن كلاب في الحرم
[15] شمس
العلوم: التقرش: التجمع، وبذلك سميت قريش
لاجتماعهم بمكة/
[16]
الْمُنَمَّقُ فِيْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ لابن حبيب:
وكانت قريش في الجاهلية أصراما متفرقين في كنانة
فجمعهم قصى بن كلاب من
كل أوب بمكة فسموا قريشا، والتقرش التجمع
[17] النهاية
في غريب الحديث لابن الأثير: وقيل: سُمِّيت
لاجتماعِها بمكّة بعد
تَفَرُّقها في البلاد
[18] معجم
البلدان: سمّيت قريش قريشا ... والذي تركن إليه
نفسي أنه إما أن يكون من
التجمع ... / اللسان:
وقيل: سميت بذلك لتَقَرُّشِها أي:
تجمُّعِها إِلى مكة من
حواليها بعد تفرُّقِها في البلاد حين غلب عليها
قُصَّيّ بن كِلاب، وبه سمي قصيٌّ مُجَمِّعاً/
[19] نشوة
الطرب في تاريخ جاهلية العرب: تاريخ قريش، هم ولد
النضر بن كنانة، وهم معدن النبوة والخلافة والشرف. ذكر
البيهقي أن قريشا لم تكن تسمى بهذا الاسم حتى
قرشها قصي بن كلاب
رئيسها _ أي جمعها حول الحرم
_ فعظمت من ذلك الحين.
[20]
نهاية الأرب في معرفة الأنساب العرب – القلقشندي:
وقيل أخذاً من التقريش وهو التجميع، سموا بذلك
لاجتماعهم
بعد تفرقهم
[21]
شرح السنة ـ للإمام البغوى: وقريش: هم أولاد
النضر بن كنانة تفرقوا في البلاد، فجمعهم قصي بن كلاب
في مكة، سموا قريشاً، لأنه
قرشهم،
أي:
جمعهم
[22]
تاريخ دمشق: ... وبه سميت قريش قريشا لأنه
جمعهم وأنزلهم مكة وأقطعهم شعابها فدعي مجمعا
[23] القاموس
المحيط: ومنه: قريش، لتجمعهم،
إلى الحرم/ [عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ... في
تسمية قريش قريشا ... سأل عبد الملك أباه عن ذلك فقال
لتجمعهم إلى الحرم/
العاشر: سميت قريش بذلك لتجمعهم في الحرم]
[24] الناس
(منذ زمن إبراهيم وإلى اليوم)
يتجمعون (يتقرشون) في مكة للحج والعمرة. وهم
بالطيع قبل هذا التجمع (التقرش) كانوا
متفرقين متبددين في
الأرض (خارج مكة في أوطانهم). والذي جمعهم هو بيت الله
بمكة (بيت الله هو المجمّع). ولكن الرواة اختلط عليهم
الأمر وتشوش فجعلوا المتجمعين (المتقرشين) بمكة هم
ذرية إسماعيل فقط، وكذلك جعلوا (المتفرقين) هم أيضاً
ذرية إسماعيل فقط. وجعلوا الذي جمعهم هو أحد الأجداد
الذي سمّوه قصياً (لأنه تقصاهم من الأقاصي) أو المجمّع
(لأنه جمعهم). والحقيقة أن قريشاً هم أولئك الحجاج
والمعتمرون والزوار والوافدون (من كل مكان وشعب وقبيلة
وأصل وعرق) الذين جاءوا الى مكة وتقرشوا (تجمعوا) عند
بيت الله عبر الزمن الطويل (منذ زمن إبراهيم حتى تكونت
قبيلة قريش) ثم استقروا بها. فالمتفرقون هم الناس من
كل شعب وقبيلة (من جزيرة العرب غالبا ثم من خارجها)،
وليسوا فئة محددة تنحدر من أب واحد (كما تقول الروايات
أنهم من جد واحد انحدرت منه قبيلة قريش).
[25] قصي شخصية
خرافية اختلقها الرواة بعد أن اخترعوا قصة ان قريشا
كانوا متفرقين في الأقاصي
ثم تقصاهم فلان (لذلك
سمّوه قصي) فجمعهم وأسكنهم الحرم [غريب الحديث –
الخطابي: وإنما سمي قصيا لأنه قصى قومه أي
تقصاهم وهم بالشام
فنقلهم إلى مكة]، ولذلك سموه المجمّع لأنه جمعهم. فمن
معاني جذر قصا الطلب [الجيم: التَّقَصِّي: الطَّلَب/
تهذيب اللغة: تقصاهم،
أي: طلبهم واحدا واحدا من
أقصاهم/ تاج العروس:
تقصاهم: طلبهم واحدا واحدا من
أقاصيهم/ المعجم
الوسيط: تقصى ... والأمير الجنود طلبهم واحدا واحدا
من أقاصيهم، استقصى الأمر بلغ أقصاه في البحث عنه].
وربما هذا التعبير (تهذيب اللغة: يقال للفحل: هو يحبو
قصا الإبل: إذا
حفظها من الانتشار/ معجم مقاييس اللغة: ويقال: أحاطونا
القصا. أي وقفوا منا
بين البعيد والقريب غير أنهم محيطون بنا كالشيء يحوط
الشيء يحفظه)، له علاقة بحفظ قصي لقريش. ويبدو أنهم
سمّوه (ابن كلاب)، من معنى جذر كلب (= علق، مسك، قيّد،
شدّ، لزم، قبض، نشب، جذب)، لأنه جعل قريشاً تتماسك
وتترابط (تتجمع)، بعد ان كانوا متفرقين متبعثرين (كما
قالوا حسب القصة التي اختلقوها). كذلك ربما سموه ابن
كلاب من شدة حرصه وإصراره وإلحاحه ونضاله على ما يطلبه
وهو جمع قريش إلى مكة وجعل رئاسة مكة لقومه وانتزاعها
بالمكر أو بالقوة من خزاعة ونزاعه معهم ومضايقته لهم
فلم يترك ما يطلبه منهم ولم يفلتوا منه ولم يخلصوا حتى
حصل على ما أراد [تهذيب اللغة: رجل كلب، وقد كلب كلبا
إذا اشتد حرصه على طلب شيء/ المحيط في اللغة: كلب
الرجل يكلب كلبا: إذا حرص/ تاج العروس: فلان عنيف
المطالبة، شنيع المكالبة ... هم يتكالبون على كذا، أي:
يتواثبون عليه]. وهذا مثل تلقيب أحد المتكلمين بلقب
ابن كُلاّب [تاج العروس: ... بن كلاب التميمي البصري:
(متكلم)، وهو رأس الطائفة الكلابية ... ويقال له ابن
كلاب، وهو لقب، لشدة مجادلته في مجلس المناظرة ...
لا أن كلابا جد له كما
ظن]، ومثله تلقيب الحجاج بكليب [المحيط في اللغة:
كليب: لقب الحجاج بن يوسف]، لشدة إلحاحه في الطلب، فلا
يكاد يفلت من قبضته شارد. وتسمّى الحمّى بأم كلبة،
لأنه لا يفلت منها المحموم الا بمعاناة شديدة/
[26]
لولا خطأ اعتقاد أن قريشاً من أصل عرقي واحد (أي زعم
أن قريشا جميعها أو غالبها من إسماعيل).
[27] الطبقات
الكبرى: لما فرغ قصي
ونفى خزاعة وبني بكر عن مكة
تجمعت إليه قريش فسميت يومئذ قريشا لحال
تجمعها. والتقرش: التجمع/ موسوعة مرآة الحرمين
الشريفين وجزيرة العرب: بجهد
قصى بن كلاب تجمعوا وتقرشوا في مكة المكرمة
ولهذا أطلق عليهم اسم «قريش»
[28] [سيرة ابن
هشام: قال ابن هشام: النضر: قريش، فمن كان
من ولده فهو قرشي، ومن
لم يكن من ولده فليس بقرشي/ ويقال فهر بن مالك:
قريش، فمن كان من ولده
فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي/ الكامل في
اللغة والأدب: النضر بن كنانة، وهو أبو قريش، ومن لم
يكن من ولده فليس
بقرشي/ البداية والنهاية: ليس أحد اليوم ممن ينتسب
إلى قريش إلا وهو يرجع في نسبه إلى فهر بن
مالك]/ عمدة القاري شرح صحيح البخاري: قريش قبيلة
وأبوهم النضر بن كنانة
... وكل من كان من ولد النضر
فهو قرشي
[29] بعد أن
جعل النسابة قريشاً من ذرية إسماعيل، ذهبوا إلى كلام
اليهود [تكوين 25 (13-16): وهذه اسماء بني اسماعيل ...
نبايوت بكر اسماعيل وقيدار
وأدبئيل ومبسام ومشماع ودومة
ومسّا وحدار وتيما
ويطور ونافيش وقدمة. هؤلاء هم بنو اسماعيل ... اثنا
عشر رئيسا]، وحدار قد يجعلونه حدد كما في اخبار اول1.
فنقل النسابة كلام اليهود حرفياً مع تصحيف [البداية
والنهاية: فولدت له اثني عشر ولدا ذكرا، وقد سماهم
محمد بن إسحاق رحمه الله، وهم؛
نابت، وقيدر،
وأذبل، وميشى، ومسمع، وماش، ودما،
وأدر، ويطور، وبنش، وطيما،
وقيذما. وهكذا ذكرهم أهل
الكتاب في كتابهم]، وجعلوا نابتاً أكبر ولد
إسماعيل [البدء والتاريخ: ولي البيت بعده نبت بن
إسماعيل وهو أكبر
ولده] كما قالت اليهود بالتوراة [نبايوت
بكر إسماعيل]، وجعلوه
يلي البيت بعد أبيه [سيرة ابن هشام: لما توفي إسماعيل
بن إبراهيم ولي البيت بعده ابنه
نابت بن إسماعيل].
فاليهود توهموا أن بعض الشعوب والقرى حولهم ناحية
الصحراء (شرق وجنوب مملكة إسرائيل) هم أولاد إسماعيل،
مثل شعب الأنباط أو نبط البتراء (نبت، نابت، نبايوت)
وشعب قيدار وبعض القرى هناك مثل: تيماء ودومة الجندل
وغيرها. وقدمة من معنى الشرق (شرق مملكة إسرائيل).
ومبسام لعله مثل بشام [غريب الحديث للخطابي: البشام:
شجر طيب الريح يستاك به]، ربما لأن تلك النواحي تأتي
منها قوافل البخور والعطور.
ويطور مملكة
عربية في لبنان (شمال شرق مملكة إسرائيل) ثقافتها
ولغتها يونانية. وجعل النسابة قريشاً من قيدار أيضا
[الطبقات الكبير: معدّ بن عدنان ... بن
قيذر بن إسماعيل] أو
جعلوا الأخ ابنا لأخيه (نبت بن قيدر) [نسب قريش - مصعب
الزبيري: نسب معد بن عدنان …
نابت بن قيدار ابن
إسماعيل ... /... بن نبت بن
قيذر بن إسماعيل] أو العكس (قيدر بن نبت)
[الأسامي والكنى : ... بن
قيذر بن النبت بن إِسماعِيل]. وجعل اليهود
عدد أبناء إسماعيل (12)، كعدد أسباطهم. وقلدهم النصارى
فجعلوا عدد تلامذة المسيح أيضا (12). ثم قلد ذلك
الرواة المسلمون فجعلوا الخلفاء أو الأئمة أيضاً (12).
[30]
سيرة ابن
هشام: وأن قريشا قرعة إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده/
الطبقات الكبير: وأنّ قريشًا فَرْعَةُ إسماعيل بن
إبراهيم، وصريحُ ولده/ الطبقات الكبير: الهامش: فرعة
الجبل: أعلاه؛ يريد أن قريشا فى الذروة من ولد
إسماعيل. ولدى ابن هشام: "قرعة" والقرعة: نخبة الشئ
وخياره
[31] كتاب
الأصنام: إسماعيل بن إبراهيم لما سكن مكة وولد له بها
أولاد كثير حتى ملأوا مكة
ونفوا من كان بها من العماليق
ضاقت عليهم مكة .../ سيرة ابن هشام: فلما
ضاقت مكة على ولد
إسماعيل انتشروا في البلاد .../ أخبار مكة - الفاكهي:
أن الله-تعالى-لما نشر ولد اسماعيل توالدوا وكثروا
وضاقت عليهم مكة،
واشتدت المعيشة بها عليهم، فجعلوا ينبسطون في الأرض
وينتشرون/ الإنباه على قبائل الرواة: كل الْعَرَب من
ولد إِسْمَاعِيل إِلَّا جرهم فَإِنَّهُم من عَاد،
وَثَقِيف فَإِنَّهُم من ثَمُود، وقبائل من حمير
فَإِنَّهُم من تبع/ أخبار مكة – الأزرقي: فمن نابت بن
إسماعيل، وقيدار بن إسماعيل نشر الله العرب، وكان
أكبرهم قيدار ونابت ابنا إسماعيل، ومنهما نشر الله
العرب/
[32] البداية
والنهاية: ثم جميع عرب
الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم
إلى ولديه نابت وقيذر/ تفسير ابن كثير: إسماعيل بن
إبراهيم الخليل، عليهما السلام، وهو
والد عرب الحجاز كلهم/
[33] كل ما
تقوله كتب الانساب عن أصول العرب لا أساس له الا
إبداعات خيال الرواة المتأثر بقصص التوراة المحرفة.
وليس هذا مقام تفصيل ذلك، ولكن نذكر بعضاً من ذلك
باختصار. فاليهود مثلاً اخترعوا شخصية أم أبيهم إسحاق
وأعطوها اسماً عظيماً هو سارة (بمعنى أميرة أو ملكة).
وكلمة سارة العبرية من مثل الكلمة العربية سريّ أي
كبير شريف سيّد [الاختيارين المفضليات والأصمعيات:
سروات الرجال، وهم الأشراف/ أمالي ابن الشجري: سراة
القوم: سادتهم/ معجم ديوان الأدب: سَرِيّ، وهو
الفاضِلُ/ الروض الأنف: سري فعيل من السرو وهو الشرف].
وفي المقابل اخترع الكتبة اليهود لعمهم إسماعيل أماً
سموها هاجر (بمعنى الدخيلة أو الغريبة) وجعلوها أمة
جارية مستعبدة مملوكة لأمهم سارة. ثم اخترعوا قصة طرد
إسماعيل وأمه الجارية إلى صحراء فاران بسيناء. ثم جعل
المسلمون فاران مكة [تفسير ابن أبي حاتم: فاران مكة/
نشوة الطرب: فاران بن يعقوب من سبط يامين ... وسار
فاران حتى نزل جبل فاران عند مكة، فسمي باسمه، ...
وفاران على تل فقتله، فسمي: تل فاران]، أو أن اليهود
حرّفوا خبر مقام إبراهيم وابنه إسماعيل بمكة (الذي
جهلوه أو نسوه أو كتموه) إلى خرافة الطرد. واخترع
اليهود هذا الكذب ليحرموا إسماعيل وذريته من النبوة
والعهد الإلهي ويحكروها في ذرية إسحاق فقط (لذلك لا
يؤمن أكثر أهل الكتاب بنبوة محمد لأنه ليس من ذرية
إسحاق). وتلقف أهل الانساب والرواة هذه الخرافات
اليهودية واعتنقوها كأنها وحي من الله، وتصرفوا فيها
قليلا (آمنوا بكذبة الطرد، ثم وجهوا الطرد نحو مكة
وسموها فاران ليوافقوا كلام اليهود، واخترعوا قصة جرهم
وزواج إسماعيل منهم، ثم اخترعوا كنتيجة لهذه الأكاذيب
أصلاً جديداً للعرب سموهم الاسماعيليين (وكما بالتوراة
اخترع اليهود أولاداً ليعقوب عدا يوسف من أسماء
مقاطعات مملكة إسرائيل، كذلك اخترع اليهود أولاداً
لإسماعيل من أسماء 12 موضع تقع غالباً في بلاد النبط
جنوب مملكة إسرائيل، مثل قرية دومة الجندل ومدين وبلاد
النبط وتيماء...الخ، ثم سمّوهم إسماعيليين. ثم بعد ذلك
اعتبر اليهودُ أولئك الاسماعيليين هم العرب كما قال
المؤرخ اليهودي يوسيفوس في القرن الأول الميلادي،
وتابعه مَن بعده). وهذا الأصل العربي الجديد (بنو
إسماعيل)، أصبح مقابل الأصل العربي القديم كاليمن.
فأصبح بعدها عرب الجزيرة قسمين منفصلين عرقياً. ثم
أصبحت هذه الخرافات حقائق ومسلمات لا نقاش فيها،
اعتنقها المسلمون بعد ذلك. هذا غير اختراع اليهود أن
أصل إبراهيم من العراق من بلدة كوثى (أخترعه يهود
السبي البابلي نحو القرن 5 ق.م)، وقد صدقته كتب
الأنساب التي جعلت أصل قريش والحجاز ونجد من نبط
العراق، وليس من جزيرة العرب [الفائق في غريب الحديث:
نحن معاشر قريش حي من النبط من أهل كوثى]. ثم جعلوا
كوثى مكة [المخصص: ومن أسماء مكة كوثى] ليوافقوا بين
خرافات اليهود (أن إبراهيم كان بالعراق) وبين حقائق
القرآن (أن إبراهيم كان بمكة).
[34] صحيح
البخاري: باب: نسبة اليمن إلى إسماعيل/ نهاية الأرب
في فنون الأدب: فمن العلماء من ينسب اليمن إلى
إسمعيل عليه السلام ويقولون: إنهم من ولد يمن بن نبت
بن إسماعيل/ فتح الباري لابن حجر: وزعم الزبير بن بكار
إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل/ الروض الأنف: ومن
جعل العرب كلها من إسماعيل قالوا فيه هو ابن تيمن بن
قيذر بن إسماعيل/
[35] والذي
يقول ان اليمن من ذرية إسماعيل، لم يفهم أساس القصة
الخرافية. فالخرافة تقوم على أساس أنه قبل إسماعيل لم
يكن بجزيرة العرب الا الشعوب
المحلية الأصلية القديمة (العرب القدماء مثل
قبائل اليمن). يعني لا يوجد بعدُ شعب بني إسماعيل. ثم
حسب هذه القصة الخرافية، سيأتي إسماعيل من خارج جزيرة
العرب من فلسطين (لأن اليهود اخترعوا قصة طرد سارة
الخرافة لإسماعيل مع أمه الخرافة هاجر)، ثم يسكن
إسماعيل في بلاد العرب (يسكن مكة)، ويسكن بين العرب
المحليين القدماء كقبائل اليمن [المختصر في أخبار
البشر وتريخ ابن الوردي: وأرسل الله إسماعيل إلى
قبائل اليمن/ فتح
الرحمن في تفسير القرآن: وسُمِّي إسماعيل ... وأرسله
الله إلى قبائلِ اليمنِ]،
ثم سيتزوج إسماعيل امرأة
محلية من العرب القدماء (مثل قبائل اليمن)، ثم
من هذا الزواج وبعد قرون، سيظهر العرب
الجدد (بنو إسماعيل).
[36] تهذيب
اللغة: الروم: جيل
ينتمون إلى عيصو بن إسحاق بن إبراهيم/ درج الدرر في
تفسير الآي والسور: روم
بن عيصو بن إسحاق/ جامع الأصول:
روم بن العِيْص بن
إسحاق بن إبراهيم/ التنبيه والإشراف:...
روم بن سملاحين بن
هريا بن علقا بن العيص ابن إسحاق بن
إبراهيم
[37] فتوح مصر
والمغرب: بنو أختكم
بسمة بنت إسماعيل
الروم/ الأنساب للصحاري: ونكح العيص بن إسحاق. عليهما
السلام، ابنة عمه نسمة بنت
إسماعيل ابن إبراهيم، فولدت له
الرُّوم بن العيص/ البداية والنهاية: إسماعيل
... وله ابنة واحدة اسمها نسمة، وهي التي زوجها من ابن
أخيه العيص بن إسحاق بن ابراهيم فولد له منها
الروم واليونان والأشبان/
[38] التيجان
في ملوك حمير: من بني يونان
بن عيص بن يقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل/ [التنبيه
والإشراف: ... بن يونان
بن نويه بن سرجون بن بزنط بن توفيل بن
رومي بن الأصفر بن
اليفز بن العيص بن إسحاق بن
إبراهيم/ اليونانيين
وأنسابهم ... ومن ذهب إلى أنهم من ولد أليفز بن العيص
بن إسحاق ابن إبراهيم وانهم اخوة الروم] / تاريخ دمشق
لابن عساكر: ... بن يونان
بن يافث بن نونة بن سرحون ابن رومة بن ثرنط بن توفيل
بن رومي ابن الأصفر بن أليفر بن العيص بن إسحاق بن
إبراهيم/
[39] شرح نقائض
جرير والفرزدق: وأبناءُ
إسحاق الليوثُ ... يعني أن
العجم من بني إسحاق بن
إبراهيم/ تاريخ الطبري: فيجمعنا والغر أبناء
فارس … أب/ أدب
الخواص: وقال آخرون: الفرس
ولد فارص بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام فأما
جرير بن عطية فإنه نسب الفرس
والروم إلى إسحاق/
الأنساب للصحاري: ومنهم الفرس، وهم بنو
فارس بن المرزبان بن
الأسود بن فارس بن يهوذا بن يعقوب/ ملاحظة: استغل
الرواة النسب التوراتي الخرافي (فارص
بن يهودا) أو التبس عليهم، فحعلوا صاد (فارص) سيناً (فارس)،
وعملوا منه نسب الفرس
[40] البعث
والنشور للبيهقي: بنو قَنْطورَاء، هم
التُّرك، فقال: إنَّ
قنطوراء، اسمُ جَاريةٍ كانت لإبراهيم عليه السلام،
ولَدَتْ أولادًا جَاء مِن نَسْلِهِم
التُّركُ/ تهذيب
الأسماء واللغات: وفى الحديث: الترك بنو قنطوراء/
التيسير بشرح الجامع الصغير: (بَنو قنطوراء) بالمدّ
جَارِيَة إِبْرَاهِيم من نسلها التّرْك أَو التّرْك
والديلم والغز/ بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار
هجرة النبي المختار: وإبراهيم ... وجاريته قنطوراء هي
أم الترك/
[41] العين:
وبنو قنطور: الترك، ويقال: إن قنطوراء كانت جارية
لإبراهيم ع، ولدت لإبراهيم أولادا من نسلهم الترك
والصين/ الغريبين في
القرآن والحديث: قنطوراء كانت جارية لإبراهيم عليه
السلام، ولدت له أولاد منهم الترك
والصين/
[42] التنبيه
والإشراف: ... من ولد كرد
بن مرد بن صعصعة بن حرب ابن هوازن ... ومن
الأكراد من يذهب الى
أنهم من ربيعة ثم من بكر بن وائل/
[43] لسان
العرب: بنو قنطوراء هم
السودان/
[44] والناس
عموماً يحبون الانتساب للعظماء والمشاهير، وليس أعظم
من الأنبياء لدى المسلمين. لذلك انتسب أهل اليمن للنبي
هود وانتسب غيرهم من عرب وعحم للنبي إبراهيم. واليوم
نرى الأمر يتكرر في انتساب ثلث المسلمين وربما نصفهم
(وأكثرهم عجم)، إلى النبي محمد (من خلال علي وفاطمة).
فهذه كلها أماني وأوهام، قديماً وحديثاً. فلم يعد
العرب وحدهم اسماعليين، وانما أصبح ثلث أو نصف الأعاجم
المسلمين أشرافاً من نسل الرسول عليه الصلاة والسلام،
وليس فقط اسماعيليين عدنانيين.
[45] وهذا خطأ
لابد من الانزلاق فيه، لأن كل قرى الأرض هكذا، يبنيها
أهلها لهم ولأولادهم ولأتباعهم. فتعامل النسابون مع
قرية مكة مثل أي قرية أخرى. وهذا مثل الاعتقاد البديهي
أن كل رجل جاء من صلب رجل قبله. فإذا قيل مثلا أنه
يوجد رجل أو رجلان لم يأتوا من أصلاب الرجال، لاستغرب
السامعون وتعجّبوا. ولكن إذا تفكروا قليلاً وتذكروا،
لعلموا أن هناك استثناء وهو آدم وعيسى. أو مثل أن
المرأة لا تلد إلا بسبب رجل (إلا مريم). أو أن الرضيع
لا يتكلم (إلا عيسى)، أو أن الميت لا يقوم في الدنيا
(إلا حالات نادرة ذكرها القرآن). وكذلك كل القرى تؤسس
من بشر لأجلهم ولمن ارتضوهم فقط (إلا مكة
أسسها الله وجعلها له،
ليأتيها كل الناس).
[46] المعارف:
وهم نفوا العماليق/ الأخبار الطوال: فسارت جرهم نحو
الحرم، ... وأرادوا نزول الحرم فمنعهم العماليق من
ذلك، فاقتتلوا، فغلبتهم جرهم على الحرم،
ونفوهم منه/ أخبار مكة
– الأزرقي: ... العماليق، فمنعتهم جرهم،
وأخرجوهم من الحرم
كله/ التنبيه والإشراف: بغلبة جرهم العماليق
وإخراجهم إياهم عن الحرم/ درج الدرر في تفسير الآي
والسور: إن جُرهمًا ...حتى انتهى إلى مكة فزاحم
العماليق ونفاهم/
[47] أخبار مكة
– الأزرقي: وجرهم وقطورا يومئذ أهل مكة... ثم إن
جرهما وقطورا بغى بعضهم على بعض، وتنافسوا الملك بها،
واقتتلوا بها حتى نشبت الحرب أو شبت الحرب بينهم على
الملك/ السيرة النبوية لابن كثير: ثم وقع بين جرهم
وقطوراء فاقتتلوا/ تاريخ ابن خلدون: عند ابن إسحاق
والمسعودي أنّ قطورا من العمالقة، وعند غيرهما أنّ
قطورا من بطون جرهم وليسوا من العمالقة/
[48] كتاب
الأصنام: وقاتل جرهما ...
وأجلاهم عن الكعبة
ونفاهم من بلاد مكة/ وصايا الملوك: إن سبب
إخراج خزاعة جرهماً
من مكة ... حتى استولوا على البيت دون جرهم،
ونفوا جرهماً عن مكة
.../ سيرة ابن هشام: نفوا
جرهما عن بطن مكة/ [أخبار مكة – الفاكهي: السبب في
خروج جرهم من مكة: ...
ثم إنّ خزاعة غلبوا جرهما على البيت،
وخرجت جرهم/ سبب آخر
في خروج جرهم من مكة
... حتى جلوا عن مكة]/
[تاريخ ابن خلدون: ووافق بغيهم تفرّق سبإ ونزول بني
حارثة ... أرض مكّة، فأرادوا المقام مع جرهم فمنعوهم
واقتتلوا فغلبهم بنو حارثة، وهم فيما قيل خزاعة،
وملكوا البيت عليهم/ فخرج عمرو ...بمن معه من جرهم إلى
اليمن ... ثم أسفوا على ما فارقوا من أمر مكّة ...
وقال عمرو: ... بلى نحن كنّا أهلها ...وكنّا ولاة
البيت ... ونحن الأصاهر ... وبدّلت منها أوجها لا
أحبّها … قبائل، منها حمير ويحابر]/ نشوة الطرب في
تاريخ جاهلية العرب: ثم تغلب بنو جرهم على ذلك، فجاء
سليمان عليه السلام إلى مكة، وسلطان الحجاز حينئذ
البسر بن الأغلب بن عمرو بن مضاض الجرهمي، وهو تحت
طاعة بلقيس صاحبة اليمن. فأمر سليمان البسر أن يبرأ من
ملك مكة والكعبة إلى نبت بن قيدار ... وذكر البيهقي أن
نبتاً قال للبسر الجرهمي الذي كان صاحب الأمر قبله:
قد سلبك الله ملكك فلا يسلبك عقلك،
اخرج عني من مكة وإلا
أخرجت روحك من بدنك/
[49] نشوة
الطرب في تاريخ جاهلية العرب: وتغلب عليهم بنو
إسماعيل، ولم يبقوا جرهميا ولا عمليقيا بالحرم/
[50] تاريخ ابن
خلدون: وذكر الزبير: أنّ الذين أخرجوا جرهم من البيت
من ولد إسماعيل هم إياد بن نزار/
[51] الروض
الأنف في شرح سيرة ابن هشام: وبغت فيه
إياد أخرجتهم بنو مضر
بن نزار، وأجلوهم عن
مكة/ المناقب المزيدية: وتفرقت قبائل سبأ في البلاد،
فكانت خراعة التي أقامت بمكة فاستوطنتها ... فاجتمعوا
على حرب إياد ليخرجوهم
عن الحرم/ تاريخ ابن خلدون: وذكر الزبير: أنّ الذين
أخرجوا جرهم من البيت من ولد إسماعيل هم إياد بن
نزار. ومن بعد ذلك وقعت الحرب بين مضر
وإياد فأخرجتهم مضر/
موسوعة القبائل العربية: كانت ولاية البيت في إياد
... فلما ثارت الفتن بين إياد ومضر أجليت إياد عن
الحرم/
[52] [الطبقات
الكبرى: لما فرغ قصي ونفى
خزاعة وبني بكر عن مكة/ ودعاهم إلى
إخراج خزاعة وبني بكر
من مكة] / أخبار مكة – الفاكهي: قيس بن عيلان أرادوا
إخراج خزاعة من مكة،
... فسار بهم إلى مكة ليخرج
خزاعة، فقاتلتهم خزاعة .../
[53] ونرى
تشابهاً واضحاً بين القصة التوراتية حول الصراع
والتنافس بين يعقوب وأخيه الخرافة البكر عيسو على أخذ
البركة من أبيهما إسحاق، وبين قصة الرواة حول صراع قصي
(الذي يذكرنا بيعقوب التوراتي) وأبي غبشان الخزاعي
(الذي يذكرنا بالخرافة عيسو) على مفاتيح الكعبة وولاية
البيت، وانتزاع قصي المفاتيح والولاية من أبي غبشان.
وهذا يشبه القصة اليهودية حيث فيها استطاع يعقوب
بالمكر والحيلة أن ينتزع الأمر (بركة أبيه إسحاق) من
أخيه الأكبر عيسو (الذي خدعه يعقوب فأضاع بركة أبيه)،
ثم يكافح يعقوب بعد ذلك سنين طويلة حتى تمكن من أن يرث
أبيه إسحاق (حسب كلام اليهود). فمن الواضح أن الرواة
المسلمين استوحوا قصة خداع قصي لأبي غبشان (سقاه قصي
خمراً فباع له المفاتيح) من نفس القصة الخرافية
اليهودية. كما نلاحظ أن (إلياس بن مضر) ليس إلا محاكاة
للنبي إلياس الذي أنكر على بني إسرائيل عبادة البعل
وردهم لدين موسى [المناقب المزيدية في أخبار الملوك
الأسدية: لما أدرك الياس
بن مضر أنكر على بني أسماعيل عليه السلام ما غيروا
من سنن آبائهم، وبان فضله عليهم ولان جانبه لهم حتى
أجتمعوا عليه ورضوا به رضا لم يرضوه بأحد من بني
أسماعيل عليه السلام بعد أدد، فردهم الى سنن أبائهم]
[54]
جمهرة الأمثال/ المناقب المزيدية في أخبار الملوك
الأسدية/ قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان
[55] ويكيبيديا
العربية-عبودية: وحوالي عام 3500 قبل الميلاد ظهر
العبيد في الحضارة السومرية، وكانوا يشكلون
أغلبية السكان/
[56] ويكيبيديا
العربية-عبودية: وقد كان في أثينا أكبر عدد من العبيد
حيث يصل عددهم إلى 80,000 في القرنين السادس والخامس
قبل الميلاد، أي ثلث
مجموع السكان في اليونان/ ويكيبيديا العربية- اليونان
القديمة: بحلول عام 600 ق.م، انتشرت العبودية في
اليونان. بحلول القرن الخامس قبل الميلاد، شكل العبيد
ثلث مجموع السكان في بعض الدول المدينة.
بين أربعين وثمانين في المائة
من سكان أثينا الكلاسيكية كانوا عبيدًا
[57] ويكيبيديا
العربية-عبودية: ومع توسع الجمهورية الرومانية ... مما
أدى إلى استقدامهم العبيد ...
حدثت ثورات كثيرة من قبل العبيد وأشهرهم ثورة
العبيد الثالثة بقيادة سبارتيكوس...
وكان العبيد يشكلون أكثر من
25% من نسبة سكان روما
القديمة/ medium.com
: يقدر نسبة العبيد في الإمبراطورية الرومانية نحو
20% من مجموع السكان
في القرن 2م/
[58] تفسير
الطبري: عن قتادة، قوله:"ومن دخله كان آمنا"، وهذا كان
في الجاهلية، كان الرّجل لو جرّ كل جريرة على نفسه، ثم
لجأ إلى حَرَم الله،
لم يُتناول ولم يُطلب/ تأويل مشكل القرآن: فكان الرجل
إذا خاف على نفسه لجأ إلى
الحرم فأمن/ شرح مشكل الآثار: قال أبو جعفر:
فإذا كان الحرم يمنع في الجاهلية من العقوبات التي
معها تلف الأنفس، كان في الإسلام ممن مثل ذلك أمنع/
أحكام القرآن للجصاص: ... خاصا في أهل مكة لحرمة
الحرم، ألا ترى أن المستحق للقتل إذا لجأ إليها لم
يقتل عندنا؟ وكذلك الكافر الحربي إذا لجأ إلى الحرم
لم يقتل/ شرح صحيح البخاري لابن بطال: قالوا: فجعل
الله حرمه آمنا لمن دخله، فداخله آمن من كل شىء وجب
عليه قبل دخوله حتى يخرج منه، ... وقال آخرون: لا
يُخرج من لجأ إلى الحرم حتى يخرج منه فيقام عليه الحد،
ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته. روى ذلك عن ابن عمر،
وقال: لو وجدت قاتل عمر فى الحرم ما هجته. وعلة هذه
المقالة أن الله جعل الحرم أَمنا لمن دخله، ومن كان
خائفًا وقوع الاحتيال عليه، فإنه غير آمن، فغير جائز
إخافته بالمعانى التى تضطره إلى الخروج منه لأخذه
بالعقوبة التى هرب من أجلها/
[59] [قوت
القلوب - أبو طالب المكي (ت 386 هـ): كان عمر بن
الخطاب يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول: يا أهل اليمن
يمنكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم].
وهذا القول يؤكد الأمر المعروف
وهو حب بقاء الناس بمكة،
فكيف إذا أتوها قبل الإسلام والأمن خارجها معدوما او
ضعيفا (بالنسبة لأكثر الناس).
[60] تاريخ
الخميس في أحوال أنفس النفيس: ثم بعض العلماء من
المحتاطين فى الدين يكرهون
أيضا المنع من الاقامة والمجاورة لانه منع من
الطاعة والعبادة
[61] تفسير
الطبري: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا) يقول: أو
لم نوطئ لهم بلدا حرّمنا على الناس سفك الدماء فيه،
ومنعناهم من أن يتناولوا سكانه فيه بسوء،
وأمنا على أهله من أن يصيبهم
بها غارة، أو قتل، أو سباء
[62] التفسير
البسيط: هذه البلدة الذي حرمها ... يريد مكة {الذي
حرمها} جعلها حرما آمنا من القتل فيها والسبي والظلم/
[63]
فضائل مكة – الجندي: فإن السكن في مكة ومجاورتها
والحث على الترغيب فيها، ... فمن العلماء من ذهب إلى
استحباب السكنى بمكة والمجاورة بها كالشافعي وأحمد
وغيرهم؛ ... ما ذكره النووي وهو أن المجاورة بها
مستحبة ... فعمد بعضهم إلى سكنها، ومجاورة البيت
الحرام، وعلى حث المسلمين في ذلك/ اختلاف الأئمة
العلماء لابن هبيرة: واتفقوا
على استحباب المجاورة بمكة
[64] والأمثلة
عديدة. فمثلا كان بنو إسرائيل عبيدا للمصريين فاختارهم
الله ونصرهم ورفعهم. وفي زمن طالوت كانوا أذلة، فنصرهم
الله على يد فئة منهم قليلة جدا. ومثل النصارى الذين
كانوا أذلة مستضعفين لمدة 3 قرون، ثم جعلهم الله
ظاهرين. ومثل أوائل المسلمين الذين كانوا أذلة
مستضعفين، فنصرهم الله على العالمين. وكذلك
الذين بقوا في مكة منذ
زمن إبراهيم من الحجاج والمعتمرين والوافدين
ثم تكون منهم أهل مكة،
كانوا من الصالحين المتواضعين ومن المستضعفين
الخائفين، فأعزهم الله ورفعهم على كل العرب.
[65]
وأما
غير النسب الأبوي، ففيهم نسب إسماعيل. وذلك لأن سكان
مكة تصاهروا وتزاوجوا عبر هذا الزمن الطويل، فصاروا من
نسل إسماعيل. إذ أن هؤلاء القادمين إلى مكة الذين
استقروا بها، كانوا قد اختلطوا عبر الزمن بذرية
إسماعيل من خلال التزواج، فأصبحوا أبناء إسماعيل حقاً.
واما آباؤهم الذين وفدوا الى مكة عبر الزمن واستقروا
بها، فليسوا من ذرية إسماعيل. فأكثر قريش يعودون في
نسبهم من جهة الأب الى غير إسماعيل رغم ان فيهم جينات
إسماعيل (من خلال تزاوج آبائهم مع ذلك القسم الأصغر من
قريش الذين هم نسل إسماعيل)
[66] بل أن
الروايات الخيالية قد جعلت أقواماً عديدة تسكن مكة مثل
أهل اليمن والعماليق وقطوراء وبني يقشان وجرهم وخزاعة
وغيرهم [البداية والنهاية: العرب العاربة الذين نزلوا
عندهم بمكة من جرهم
والعماليق وأهل اليمن/ الطبقات الكبير: فأمّا
يقشان فلحق بنوه
بمكّة/ تاريخ الطبري: ونبأ الله عز وجل إسماعيل، فبعثه
إلى العماليق- فيما
قيل- وقبائل اليمن/ أخبار مكة – الأزرقي: كانت
العماليق وهم ولاة
الحكم بمكة ... ثم إن جرهما
وقطورا خرجوا سيارة من اليمن، ... فلما قدموا
مكة ...فأقاموا
مع العماليق/ الطبقات الكبير: وكانت لإسْماعِيل
امْرأة من العماليق
ابنة صبدى قبل الجرهميّة/ المسالك والممالك للبكري:
وانهدم البيت بعد بناء إبراهيم له فبنته
العمالقة، ثمّ انهدم
فبنته جرهم/ أخبار مكة
- الأزرقي: كان بمكة حي يقال لهم العماليق، ... حتى
ألحقهم بمساقط رؤوس آبائهم، وكانوا من حمير/ أخبار
الزمان: ثم شخص عملاق فنزل أرض الحرم، ... وسار جرهم
فنزل مكة/ سيرة ابن هشام:
وجرهم وقطوراء يومئذ أهل مكة، وهما ابنا عم،
وكانا ظعنا من اليمن/ المسالك والممالك للبكري: وجرهم
وقطورا يومئذ أهل مكّة وهم أخوان/ المناقب المزيدية في
أخبار الملوك الأسدية: ووافق ذلك خروج قبائل سبأ من
أرض مأرب ... فاحسوا بضعف جرهم فنزلوا اليهم وحاربوهم
فكانت الغلبة لقبائل سبأ
... وتفرقت قبائل سبأ في البلاد، فكانت
خراعة التي أقامت بمكة
فاستوطنتها/ البداية والنهاية: وخزاعة فرقة ممن كان
تمزق من قبائل سبأ حين
أرسل الله عليهم سيل العرم/ أخبار مكة – الأزرقي:
«فلما حازت خزاعة أمر
مكة وصاروا أهلها/
الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام: وبغت فيه
إياد أخرجتهم بنو مضر
بن نزار، وأجلوهم عن
مكة/ التنبيه والإشراف: أخبار الحَجَر في الجاهلية
ومن تداوله من الأمم من جرهم، وإياد، والعماليق،
وخزاعة ... وغير ذلك من أخبار مكة]/ وجرهم وخزاعة حسب
خيال الرواة ظلوا سادة مكة لقرون [المسالك والممالك
للبكري: فبقيت جرهم ولاة البيت نحو
ثلاثمائة سنة/ السيرة
النبوية: واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من
ثلاثمائة سنة، وقيل خمسمائة
سنة]، ولم تسيطر قريش (ذرية إسماعيل عند الرواة) الا
قبيل الإسلام بقرن أو قرنين [معالم مكة التأريخية
والأثرية-البلادي: وبين قُصَيّ وبين الرسول صلى الله
عليه وسلم، مائتي سنة،
كل هذا بالتقريب/ تاريخ العرب القديم-توفيق برو : إلى
أن نهض قصي بن كلاب فتزعم قريشًا، ... وكان ذلك على
أغلب الظن في النصف الأول من
القرن السادس الميلادي]، وظلت خزاعة بمكة
[أخبار مكة – الأزرقي: وجمع قومه من قريش من منازلهم
إلى مكة ... وخزاعة مقيمة
بمكة على رباعهم وسكناتهم لم يحركوا ولم يخرجوا
منها، فلم يزالوا على ذلك حتى
الآن]/
[67]
وإبراهيم لم يغادر مكة كما تقول الروايات، ولم يمت
بفلسطين. إبراهيم مقامه بمكة كما قال القرآن، وظل بها
منذ أن بنى البيت، ومات بها.
[68]
الآية
القرآنية (أَوَّلَ بَيْتٍ
وُضِعَ لِلنَّاسِ)، لا تقصد ذلك الفهم الخطأ الشائع
المشهور (أن الكعبة أول بيت بني على الأرض). الآية
تقصد أن الكعبة كانت أول بيت للعبادة يستقبل (كل)
الناس. وهو أمر لم يكن
معروفاً قبل زمن إبراهيم. فكل البيوت الدينية
(المعابد) قبل زمن إبراهيم،
لم تكن مفتوحة للعوام (لكل الناس)، وإنما فقط
للخاصة (مثل الملك وحاشيته ولمن يسمحون له)، وأما
العوام فكانوا ممنوعين من الدخول للمعبد. وأما بيت
الله فاختلف عما قبله، فبدأت ظاهرة جديدة منذ زمن
إبراهيم لم تكن معروفة قبل ذلك وهي أن (كل)
الناس يستطيعون أن يدخلوا بيت الله. ثم بعد ذلك بقرون
طويلة أخذت المعابد الأخرى تسمح للجميع بالدخول، كما
هو معروف اليوم.
[69]
ومن اسم مكة المكرمة اشتقت مفردة لغوية تستخدمها العديد
من اللغات الأجنبية. فمثلاً
في اللغة الإنجليزية تُستخدم كلمة مكة للإشارة إلى (أي مكان يجذب أعدادًا
كبيرة من الناس). فمصطلح "مكة" في الإنجليزية أصبح
يُشير إلى "المكان الذي يرغب الناس بشدة في زيارته". وواضح أن هذا المعنى مستعار من صفة مكة المكرمة التي لا تتوقف أفواج الناس
منذ القدم عن الوفود إليها.