نشوء البيان

دراسات قرآنية لغوية تاريخية آثارية

Untitled 1

عبد الرحمن بن ملجم المرادي

الموضوع باختصار...

(عبد الرحمن)، كناية عن أنه مسلم. وغفل ناسخ عن كتابة (الرحمن)، وبقي رسم (عبد)، فتصحف إلى (خلد) أو خالد.
و(ملجم) ليس اسم والده، وإنما صفة لحاله، بأنه مُلْجِم لأمره متكتم لم يشعر به أحد (أي أن القاتل قبل اغتياله الخليفة، ألجم لسانه وأمره فأخفى تحركاته ولم يفش سره لكي لا ينتبه إليه أحد). فلذلك لقبوه (ابن ملجم) فجعلوه ابن حاله وفعله (ابن الإلجام)، كأنهم سمّوه (ابن الصمت) أو (ابن السكوت).
والمرادي ليس نسبة إلى قبيلة مراد، وإنما شبهوا القاتل بالذي يرادي الجدار والحائط بمرداته (صخرته الثقيلة) ليهدمه أو يميله للسقوط [المُرادي : الذي يُرادي حائطاً بمِرْداته ليَهُدَّه/العين والمحيط]. فهم سمّوه (المرادي) من معنى أنه بقتله الخليفة علي، كأنه (مُرادي) حائط، يرادي الأمة ويميل عرشها بمرداته ليهدم (أمال التجوبيّ به عرش أمة لانهدام)، (هدمْتَ وَيْلَكَ للإسلامِ أركانا). وأن ما فعله كان صدمة شديدة للمسلمين [الصحاح: رَدَيْتُهُ: صدمته].
وأما وصفه بالسمرة والسواد، فلأجل فعلته النكراء. فالعرب كثيراً ما يستخدمون السواد كرمز للشر والسوء والشيطان والخزي والعار والشؤم.


عبد الرحمن

الرواة لا يعلمون اسم قاتل علي بن أبي طالب، كما سنرى. لكنهم سمّوه عبد الرحمن لأنه مسلم، ولجعله من القراء وأهل العبادة (وهي صفات الخوارج لدى الرواة).

 
عبد الرحمن أم خالد؟

حادثة قتل الخليفة الرابع أمر جلل مشهور انصدم له المسلمون كما أكّدت الروايات، وإذن يٌفترض أن يكون اسم القاتل (عبد الرحمن بن ملجم) قد عُرِف واشتهر. ورغم ذلك نقرأ التصحيف (خالد بن ملجم، قتل علي بن أبي طالب/تاريخ الطبري) دون أن يصححه أحد (سواء في هذه الرواية، أو غيرها التي تذكره باسم خالد عن أحداث سابقة في زمن عمر وعثمان). والناسخ لعله غفل عن كلمة (الرحمن) فكتب (عبد) بن ملجم، ثم تصحف إلى (خلد). وهذا يعني أن خبر قتل علي مليء بالغموض والاضطراب كخبر قتل عثمان، وأن أسماء القتلة رمزية مصطنعة.

 
ابن ملجم

 ظن الرواة أن (ملجم) هو اسم والد القاتل. ولكن الروايات فيها معنى أن القاتل مُلْجَم عن الكلام (كصفة لحاله)، أو مُلْجِم نفسه ولسانه عن الكلام. فكأن (الملجم) هو القاتل، فنسبوه إلى حاله (اللجم) على طريقة (ابن كذا)، فظهرت كنيته (ابن ملجم) بمعنى (ابن الصمت) أو (ابن السكوت).


كان يكتم أمره لإنجاز مراده

سُمّي القاتل (ابن ملجم)، لأنهم نسبوه إلى تكتمه (سكوته وصمته لأجل الفتك). فهو فاتك حريص حذر (مُلْجِم) للسانه وحاله لكي لا يفتضح أمره (فينتبه له الناس فيفشل في محاولة الاغتيال). فهو ملجم لسانه (لا يتكلم ولا يثرثر، لأنه لا يريد أحداً أن يرتاب فيه أو يستعد له فيقاومه فيحبط محاولته قتل علي). لذلك ظل هذا الفاتك صامتاً ساكتاً متكتماً (ملجم اللسان) ليغفل عنه الناس (فيتمكن من مفاجأة علي كما حدث). ومعروف أن الفاتك لابد أن تكون تحركاته في غاية السرية والخفاء لكي لا يفطن له أحد. فإن صدر منه ما يجعل الناس يحسون به، فلن يتمكن من ضحيته أو مفاجأته. فالفاتك الخطير يجب أن يكون كل أمره مُصْمَت (مُلْجَم)، ولعله لمثل هذا سمّى الرواة قاتل علي بابن ملجم (وكأن الرواة أرادوا قول أن الذي تمكن من اغتيال الخليفة لم يكن من الأعداء المعروفين الذين يُحذر منهم، ولكنه كان عدواً خفياً صامتاً لم يشعر به أحد).

 
المرادي

لا يبدو القاتل من قبيلة مراد المعروفة، لأن الروايات التي تصف ضربة ابن ملجم كأنها تتضمن معنيين متداخلين:

(1) الردى

لعل تسمية (المرادي) من أن سيف ابن ملجم أردى (أهلك) علي بن أبي طالب أو أنه أردى الأمة. ونلاحظ أن أشقى الآخرين (المرادي) الذي أردى الأمة، يُقرن بأشقى الأولين الذي أردى ثمود (المردى ثمود .. بلّ المرادي سيفه/ ديوان السيد الحميري).

(2) المرداة

ضربة سيف ابن ملجم بالغة القوة، كأنها مرداة (صخرة عظيمة ثقيلة). ولمبلغ قوتها يمكنها أن تقتل جمعاً هائلاً من الناس: (ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم/ مقاتل الطالبيين). والمُرادي يُرادي حائطاً بمِرداته ليهدمه (المُرادي : الذي يُرادي حائطاً بمِرْداته ليَهُدَّه/العين والمحيط). ولعل مثله ابن ملجم من خلال فعلته، كأنه (مُرادي) يرادي الأمة ويميل عرشها بمرداته ليهدم (أمال التجوبيّ به عرش أمة لانهدام)، (هدمْتَ وَيْلَكَ للإسلامِ أركانا).

 
لماذا وصف ابن ملجم أنه أسمر اللون أو أسوده؟

(عبد الرحمن بن ملجم رجلا أسمر/الطبقات). وسبب وصف الرواة لابن ملجم بالسمرة أو السواد أن العرب كثيراً ما يستخدمون السواد كرمز للشر والسوء والشيطان والخزي والعار والشؤم. وما فعله ابن ملجم بالخليفة عدّه الرواة من أشنع الشر والفساد (اسْوَدَّ كَأَنَّهُ جِذْعٌ مُحْتَرِقٌ/ مُصنف ابن أبي شيبة)، (ابن ملجم حين ضرب عليا وقد احترق فصار وجهه أسود/ مقتل علي- ابن أبي الدنيا). واعتبر بعضهم ابن ملجم شيطاناً من نسل إبليس (والشيطان رمزه السواد). وفي رواية أن قاتلي عثمان وعلي كانا ضمن (فتية دلم)، أي سود، ومن نفس قبيلة (ابن ملجم). ووصف قبر ابن ملجم أنه كان (مسوداً شديد السواد/ رحلة ابن بطوطة).

  
حامد العولقي

 

 ملجم

نسخة مفصّلة مصورة